الصحة النفسية ضحية صراعات ليبيا

12 ديسمبر 2019
الصورة
الأزمات باختلافها تلقي بثقلها عليهم (محمود تركية/ فرانس برس)

أثّرت سنوات الصراع في ليبيا على الصحّة النفسية لأشخاص كثيرين، هذا ما أكدته منظمة الصحة العالمية في بيان، موضحة أنّها تعمل مع السلطات الليبية وشركائها من أجل "مستقبل أكثر إشراقاً" لليبيين. وكان فريق من موظفي المنظمة قد أعدّ تقييماً لخدمات ‫الصحة العقلية والدعم النفسي والاجتماعي في مرافق الرعاية الصحية المختلفة في طرابلس، وحدّد الثغرات والتحديات وآليات التنسيق المطلوبة.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أصدرت في وقت سابق من هذا العام بياناً أفادت فيه بأنّ شخصاً واحداً تقريباً من بين كلّ خمسة أشخاص (22 في المائة من السكان) في منطقة متأثرة بنزاع يشكو من الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة واضطرابات وأمراض نفسية وعقلية أخرى، إلى جانب معاناة الغالبية من ضائقة نفسية. يُذكر أنّه في التقديرات العالمية للصحة النفسية بين عامة السكان فإن شخصاً واحداً من بين كلّ 14 شخصاً يشكو ممّا سبق. يُذكر أنّ بيان المنظمة استند إلى تحليل نُشر في مجلة "ذي لانسيت" الطبية 129 دراسة وبيانات من 39 دولة ما بين عامَي 1980 و2017. صحيح أنّ ليبيا غير مشمولة بالتحليل المذكور غير أنّها دولة متأثّرة بنزاع، ومنذ أعوام.

ويتحدّث الطبيب الليبي المتخصص في الأمراض النفسية والعقلية، الدكتور فتح الله زروق، لـ"العربي الجديد"، عن آثار الحرب على الناس، "منها موجات النزوح والتهجير وتأثيرها اقتصادياً بشكل مباشر على حياتهم، بالإضافة إلى تردّي الأوضاع الأمنية التي تجبرهم على العيش في قلق مستمر وخوف". ويشير زروق إلى "مدن طرابلس وبنغازي ودرنة ومصراته وسبها كأبرز المدن التي تعاني شرائح واسعة من سكانها آثار الحرب على صحتهم، أو ما نسمّيه أمراضاً سايكوسوماتية (نفسية جسدية). ولدينا ما يثبت وجودها في ليبيا كواحدة من نتائج الصراعات المسلحة".



وتشير دراسة نشرتها المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات في يوليو/ تموز من عام 2017، شملت مصراتة وبنغازي والزنتان ومخيمات نازحين في طرابلس وفي رأس جدير الحدودية مع تونس، إلى أنّ 123 ألفاً و200 حالة تشكو من اضطراب ما بعد الصدمة و228 ألفاً و100 حالة من اكتئاب حاد، مؤكدة أنّ 50 في المائة من حالات اضطراب ما بعد الصدمة تكون مصحوبة باكتئاب حاد على الأرجح. وتوضح معدّة الدراسة سمر أبو السعود أنّ مواجهة المخاطر النفسية والتعامل معها يتطلبان 154 موظفاً بدوام كامل. وعن المراكز المتخصصة في الصحة النفسية في ليبيا، تفيد أبو السعود بأنّ ثمّة 0.18 طبيب متخصص بالأمراض النفسية والعقلية ومتخصصاً اجتماعياً واحداً لكل 100 ألف نسمة، مؤكدة أنّ القدرة الاستيعابية لمواجهة الاحتياجات النفسية في المجتمع الليبي هي أقلّ من المطلوب بكثير.

في هذا الإطار، يؤكد زروق أهمية ما جاء في الدراسة، مشدداً على "ضرورة تحديثها ودعم أخرى مماثلة لتبيان آثار الحرب النفسية على المواطن". ويشير إلى أنّ "الدراسة تتوقف عند عام 2016 والحرب الأخيرة في البلاد اندلعت بعد ذلك العام، وهي الأكثر حدّة في خلال سنوات الصراع"، متسائلاً "أين آثارها". وعمّا رصده هو، يقول "تمكّنت من الحصول على إحصاءات من مصحّات نفسية وعقلية خاصة بيّنت أنّ عدد الذين تردّدوا عليها في طرابلس في خلال عام 2018 والنصف الأوّل من العام الجاري 8321 حالة. أمّا مصحّات بنغازي فتحصي ما يزيد عن 10 آلاف حالة"، لافتاً إلى أنّ "مدناً أخرى مثل مصراتة ومناطق الجنوب بعيدة عن جهودي الخاصة". ويعيد زروق "ارتفاع عدد المترددين على المصحّات الخاصة في المدينتَين الكبريَين في ليبيا إلى أنّهما استقبلتا كذلك نازحين من خارج المدينة"، موضحاً أنّ "الأطباء اضطروا إلى إبقاء بعض تلك الحالات في الإيواء لمتابعتها". ويتابع زروق أنّ "الحالات التي عالجتها بمعظمها هي اكتئاب ناتج عن اضطراب ما بعد الصدمة، وأكبر عدد من الحالات يُسجّل بين الأطفال والنساء. أمّا لدى الرجال، فينتج عن مشاركة الشبان في القتال أو ضغوط الحياة من قبيل عجز أرباب الأسر عن إعالتها من جرّاء ارتفاع الأسعار أو التهجير أو غيرهما".



وعن جهود السلطات الليبية لمواجهة تلك المخاطر، يقول عماد خماج، وهو موظف في لجنة الأزمة الحكومية في طرابلس، إنّ "الجهد الحكومي محصور في المواجهات السياسية والعسكرية، والدليل على ذلك عدم التفات أطراف الصراع الحكومية إلى المقاتلين الجرحى"، مؤكداً "عدم وجود أيّ خطط لدى سلطات البلاد لمواجهة آثار الحرب على الناس". يضيف أنّ "الحكومات أهملت حتى مراكز الصحة النفسية والعقلية القائمة ما قبل الحرب، من قبيل مستشفى الرازي في طرابلس المتدهور"، لافتاً إلى "جهود حكومية سابقة لتأسيس مراكز لإعادة تأهيل المقاتلين ودمجهم في الحياة المدنية، لكنّها توقفت نهائياً بسبب عودة الحروب واتساع رقعها والتهاء الحكومات بصراعاتها".