الصحافة الإسرائيلية: حيرة في التعامل مع وضع غزة و"حماس"

الصحافة الإسرائيلية: حيرة في التعامل مع وضع غزة و"حماس"

08 يوليو 2014
الصورة
يخشى الإسرائيليون التصعيد في غزة (عبد الحكيم أبو رياش)
+ الخط -
لا شيء يكشف عمق وحجم ورطة إسرائيل، في عدوانها الجديد "الصخرة الصلبة"، مثل التناقضات في تحليلات الإسرائيليين، التي تبيّن أكثر من أي شيء آخر حدود القوة الإسرائيلية، من جهة، وتآكل قوة الردع، من جهة ثانية.

فقد أجمع محللو الشؤون العسكرية والسياسية في ثلاث صحف على الأقلّ، صباح اليوم الثلاثاء، على وصف العدوان الجديد بأنه "جاء من باب مكره أخاك لا بطل، فـ(رئيس الوزراء بنيامين) نتنياهو، هو الأكثر رفضاً بين من سبقوه في رئاسة الحكومات الإسرائيلية، في الانخراط في مغامرات عسكرية لا تُحمد عقباها. تكون بدايتها معروفة ونهايتها مجهولة".

إضافة الى أن المحللين في الصحف الإسرائيلية، بدءاً من ألكيس فيشمان، وناحوم برنيع، في "يديعوت أحرونوت"، مروراً بعاموس هرئيل، في "هآرتس"، وانتهاء بعمير رابابورط في "معاريف"، أقرّوا بأن "العدوان الجديد يأتي هذه المرة مخالفاً، تكتيكياً للحملات الإسرائيلية السابقة".

وأكدوا أن الحملة الحالية تعتمد مبدأ "التصعيد يجرّ مزيداً من التصعيد، خلافاً للرسالة التي حاول نتنياهو إرساءها، على قاعدة: الهدوء مقابل الهدوء. وهي المعادلة التي كان وضعها رئيس الوزراء السابق، إيهود باراك، في تفاهمات الرصاص المصبوب وعمود السحاب".

لكن المحللين أقرّوا بأن "تصعيد العدوان تدريجياً ضد حماس، على ما يكتنفه من مخاطر إبقاء نحو نصف مليون إسرائيلي على الأقلّ، تحت رحمة صواريخ غزة وصفارات الإنذار، من شأنه في نهاية المطاف تقويض سلطة حماس نهائياً في قطاع غزة، إذا تعقدت الأمور".

ولفتوا الى أن "هذا الوضع يضع إسرائيل أمام سيناريوهين أحلاهما مرّ: الأول أن يضطر سقوط دولة حماس في القطاع، إسرائيل إلى العودة إليه، وتولّي أمر أكثر من مليوني فلسطيني، مع ما يرافق ذلك من تحوّلات إقليمية واستراتيجية. والثاني أن يتحول قطاع غزة إلى نسخة من الصومال، منطقة لا سلطة مركزية فيها، تسيطر عليها تنظيمات الجهاد العالمي، والقاعدة، والسلفيون. وهو ما يعني أشدّ السيناريوهات رعباً لها في السنوات الأخيرة".

في السياق، اعتبر برنيع أن "ما يميز المواجهة الحالية عن سابقاتها، هو أنه في السابق كان السؤال معروفاً، وينحصر في مستقبل العلاقات بين إسرائيل وحماس والى أين ستتجه. وسعى بعضٌ الى ترسيخ قوة الردع في المواجهات السابقة، وذهب آخرون إلى السعي من أجل التوصل الى تسوية، لكن الجميع كانوا يعلمون أن كل اتفاق كان يتم التوصل إليه، سيكون مؤقتاً الى حين اندلاع الدورة المقبلة من النزاع".

"إلا أن هذه المرة، يبدأ السؤال من النهاية وليس من البداية: إذا ضربت إسرائيل حماس ضربة قاضية، من الذي سيملأ الفراغ السلطوي الذي سينجم عن ذلك؟ فقد تتحول غزة إلى نسخة صومالية من الفوضى، أو ربما ملجأ لمنظمات الإرهاب المتفرّعة عن القاعدة، تماماً كما حدث في شمالي سيناء، شمالي العراق وفي أجزاء من سورية. بعبارة أخرى حماس هي شرّ، لكنها أهون الشرّين"، بحسب برنيع.

ولفت الى "أن هناك عاملاً جديدأ في دورة التصعيد الأخيرة، وهو غياب الوسيط المصري، خلافاً للمراحل السابقة، إذ لعب نظام (الرئيس المخلوع حسني) مبارك، ونظام (الرئيس المعزول محمد) مرسي، دور الوسيط بين إسرائيل وحماس، فإن نظام (الرئيس عبد الفتاح) السيسي، ليس متحمساً، على ما يبدو، للقيام بهذا الدور".

أما أليكس فيشمان، فأشار في تحليله إلى أن "إسرائيل تتبنّى هذه المرة تكتيكاً مخالفاً عن المرات السابقة". ولفت الى أن "الضرب لم يبدأ هذه المرّة بضربات مكثفة على بنك أهداف، أُعدّ مسبقاً في بداية المعركة كما في السابق، وإنما استند الى تصعيد يتفاقم يوماً بعد يوم، تبعاً للرد العسكري من حماس، واختبار حماس ما إذا كانت تريد وقادرة على مواصلة اللعب بالنار مع حكومة إسرائيل".

ورأى أنه "لا مصلحة لدى حكومة إسرائيل في إسقاط حكومة حماس ونظامها في قطاع غزة، لذلك تبقي لها منفذاً للخروج من دائرة التصعيد العسكري، أما إذا واصلت حماس إطلاق الصواريخ ووجهتها نحو وسط إسرائيل، فحينها لن يكون هناك مفرّ من خوض مواجهة شاملة بمشاركة قوات برية".

ورسم فيشمان صورة للمواجهة العسكرية بين الطرفين في الأيام المقبلة، مشبهاً إياها بلعبة "بينغ بونغ"، كفعل وردّ فعل. واعتبر أنه "كلما جبت إسرائيل من حماس ثمناً باهظاً، ستردّ الأخيرة بقصف العمق الإسرائيلي، لكن احتمالات وفرص أن يسيطر طرف ما، على ارتفاع ألسنة لهب هذه المواجهة تقارب الصفر، فلا توجد اليوم كوابح ولا وسطاء، وفي الميدان تقف حماس وإسرائيل فقط، دون طرف ثالث".

وقال إن "حماس حاولت ركوب موجة التظاهرات في الداخل الفلسطيني وفي الضفة الغربية والقدس، سعياً لاستعادة تأييد الجمهور الفلسطيني". ولفت الى أنه "لم يتم اختراع ما يمكِنه أن يضرب حماس، لغاية الآن، دون دفع إسرائيل ثمناً في الجبهة الداخلية وفي الحلبة الدولية".

وخلص فيشمان الى القول إنه "ربما ليس بالإمكان إعادة العجلة إلى الوراء بعد الآن، فقد نكون وصلنا إلى وضع باتت فيه حماس مفلسة سياسياً، وانتقلت القيادة فيها بشكل كلي إلى الذراع العسكرية للحركة، الذي يفعل ما يريد وقد وضع حماس الآن على حافة الفوضى".

ويتفق رابابورط بشكل عام مع باقي المحللين بأن "الحكومة الإسرائيلية تريد الاكتفاء بتصعيد تدريجي حالياً، طبقاً لردّ حماس على القصف الإسرائيلي، مع تقديرات الجهات الأمنية بأن الحركة ستصعد يومياً، وتزيد المدى الجغرافي للصواريخ التي تطلقها في اتجاه إسرائيل وصولاً إلى مشارف تل أبيب.

وكشف أيضاً بأن "التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أنه حتى في حال إطلاق الحركة الصواريخ في اتجاه تل أبيب، فإنها مع ذلك، لن تتمكن من تجديد ترسانتها من صواريخ الفجر، وذلك بسبب ردم وإغلاق وتفجير الأنفاق كافة، التي كانت تستخدم لتهريب الأسلحة من مصر إلى غزة". لكنه جزم "لكن الفصائل كافة والمنظمات الفلسطينية في القطاع، نشطت في السنوات الأخيرة في تصنيع الأسلحة والصواريخ بعيدة المدى، وقد يفاجئون إسرائيل بأسلحة جديدة".

من جهته، اعتبر هرئيل أن "الضائقة الاقتصادية والاستراتيجية التي تعيشها حماس تدفعها إلى المجازفة بالمواجهة العسكرية وبالتصعيد، على الرغم من أن ذلك سيكلفها ثمناً باهظاً، من دون أن تسارع مصر إلى مساعدتها كما في الماضي".

لكن الخوف الأكبر وفق هرئيل هو "من توسع المواجهة والعملية العسكرية، فتضع نصف السكان في إسرائيل، من الجنوب وحتى منطقة تل أبيب، في مرمى صواريخ حماس. هذا إلى جانب التوتر الذي خلفته التظاهرات التي نظمها الفلسطينيون في الداخل".

ورأى أن "الحكومة الإسرائيلية تخشى من تعقيدات الحملة العسكرية، من دون أن تكون لها أهداف واضحة، كون القصف الجوي وحده، لن يكون كافياً لوقف إطلاق الصواريخ، أما تحطيم سلطة حماس وتفكيكها نهائياً، كما يريد (وزير الخارجية أفيغدور) ليبرمان، فستجرّ القطاع إلى حالة فوضى تُلقى فيه في نهاية المطاف المسؤولية على إسرائيل، وتعيدها الى تحمّل مسؤوليات الحكم في القطاع. لذلك فإن نتنياهو يبحث عن تصعيد منضبط، يمكن التحكم فيه، ولا يقود في نهاية المطاف إلى توغّل برّي في القطاع".

 

المساهمون