الصب في مصلحة المواطن المصري في 2018

28 ديسمبر 2017
الصورة
زيادات في الأسعار تلاحق المواطن في مصر (فرانس برس)
+ الخط -

"الصب في المصلحة".. عبارة ترددت كثيراً على ألسنة كبار المسؤولين في مصر في العام الجاري 2017، خاصة عقب تطبيق القرارات المتعلقة بزيادة أسعار السلع والخدمات، فوزير الكهرباء عندما يعلن عن زيادة جديدة في فواتير الكهرباء، فإنه يسارع ويلحقها بعبارة أنها تصب في مصلحة المواطن والمصلحة العامة.

وكذلك الحال بالنسبة للزيادات التي تمت في أسعار الوقود من بنزين وسولار وغاز منزلي، فإن الحكومة تسارع بعدها وتؤكد أن هذه الزيادات تأتي في مصلحة المواطن، وتراعي الغالبية العظمى من المصريين، خاصة محدودي الدخل.

حدث ذلك أيضاً، عقب فرض ضريبة القيمة المضافة وزيادة مبالغ الرسوم في المصالح الحكومية، ورفع فواتير المياه وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق والتلفونات وغيرها من وسائل النقل العام.

حتى وزير المالية شارك في حملة "الصب في المصلحة"، حينما راح يؤكد أن إرهاق المصريين بمزيد من الضرائب "صب في المصلحة"، وأن زيادة معدل تحصيل الضرائب المستهدفة لتمثل أكثر من 72% من الإيرادات العامة هو لمصلحة المواطن، وأن المصريين سعداء بسياسة "جباية الضرائب" لأنها تصب في مصلحتهم، من دون أن يخبرنا الوزير عن سبب فشل وزارته في مكافحة جريمة تهرب "الحيتان" ورجال الأعمال من سداد الضرائب المستحقة، ليتجاوز رقم التهرب السنوي نحو 235 مليار جنيه، كما قدرها أشرف العربي رئيس مصلحة الضرائب الأسبق وعضو البرلمان.

ولأن الشعب المصري ابن نكتة وخفيف الظل فقد راح يتندر على العبارة الشهيرة "الصب في المصلحة"، ويسخر من العبارات التي جاءت على لسان الوزراء وكبار المسؤولين بشأنها، بل ويطالب الحكومة بالتوقف عن الصب في مصلحة المواطن، أو القيام بمزيد من الصب "عشان يتوب"، في إشارة إلى أن الزيادات المتواصلة في الأسعار هي بمثابة ذنب يلحق بالمواطن أينما ذهب.

ولذا كلما زادت الأسعار سارع المواطن نحو ربه طالباً التوبة من ذنب لم يقترفه، بل اقترفته يد حكومة لا تراعي فقيراً ولا طاعناً في السن ولا أرملة أو مطلقة أو رب أسرة يعول ثمانية أطفال وليس له مورد رزق ثابت.

وإذا كان عام 2017 قد شهد صباً متواصلاً في مصلحة المواطن، باعتبار أن هذا العام شهد تداعيات قرار تحرير سعر الصرف، وتعويم الجنيه مقابل الدولار من زيادات عنيفة في الأسعار، وخفض متواصل في الدعم المقدم للمواد الرئيسية، وزيادة في الضرائب، وزيادة في أسعار السجائر والدخان والمواصلات والاتصالات وغيرها، فإن كل المؤشرات تؤكد أن الحكومة ستواصل سياسة "الصب في المصلحة" في عام 2018.

وقد بدأ وزير النقل السباق مبكراً، حينما أعلن عن زيادة في تذكرة مترو الأنفاق، الوسيلة الأكثر شعبية في البلاد، لتصل إلى 6 جنيهات مقابل جنيهين فقط، وذلك بحلول شهر يوليو/ تموز المقبل، ولم يمر سوى ثلاثة أيام على تصريحه حتى سارع ليعلن عن زيادة جديدة في أسعار تذاكر القطارات، بداية من شهر يوليو/ تموز المقبل أيضاً، وكأن الوزير يستفز المصريين بإعلانه قرارات الزيادة قبل موعد تطبيقها بستة أشهر.

وسيخرج علينا وزير الكهرباء خلال أيام ليعلن عن زيادة جديدة في أسعار تذاكر الكهرباء، في إطار ما يسميه بخطة الحكومة الخاصة بإلغاء الدعم الحكومي المقدم للطاقة والوقود، وأن هذه الزيادة سينجم عنها بناء شبكات وأبراج كهرباء جديدة.

وكأن مهمة المواطن الفقير هي تمويل إقامة محطات الكهرباء وليست مهمة الدولة التي تتقاضى إيرادات ضريبية قدرت قيمتها بأكثر من 659.2 مليار جنيه في موازنة العام المالي المنتهي 2016 إلى 2017، مقابل 491.5 مليار جنيه خلال العام المالي 2015 إلى 2016، بزيادة 34.1%، كذلك تخطط الحكومة لزيادة رقم الإيرادات إلى 603 مليارات جنيه في موازنة العام المالي الجاري.

كذلك سيخرج علينا وزير المالية خلال أيام بمشروع الموازنة للعام المالي الجديد 2018 -2019، يعلن من خلالها عن أبرز مؤشراتها، وهي استمرار زيادة عجز الموازنة العامة، وتفاقم أزمة الدين الحكومي، سواء الخارجي أو الداخلي، ولذا فإن الحل يكمن في فرض مزيد من الضرائب والجمارك والرسوم، وتوجيه إيرادات الدولة لتمويل العجز وليس لتمويل مشروعات خدمية واستثمارية تعود بالنفع على المواطن.

وستخرج علينا الحكومة لتعلن أن مصر مطالبة بسداد 12 مليار دولار ديوناً خارجية في عام 2018، وبالتالي فإن الأولوية ستكون لسداد هذه الديون وليس لتمويل مشروعات تصدير وصناعة أو تمويل الواردات ومحاولة خفض كلفتها على الموطن.

النتيجة أن "الصب في المصلحة" سيتواصل في العام الجديد، على الرغم من حديث بعضهم عن البدء بقطف ثمار التنمية والمشروعات القومية الكبرى، ولذا ستواصل أسعار السلع والخدمات زيادتها على الرغم من حديث حكومي عن خطة لخفض معدل التضخم، وطالما أن هناك وفوداً من صندوق النقد الدولي تأتي وأخرى تغادر القاهرة فلن يرى المصريون خفضاً في الأسعار.



المساهمون