الشيخ ملحس قارئ فلسطين الأكبر

الشيخ ملحس قارئ فلسطين الأكبر

04 سبتمبر 2016
الصورة
توفي في 26 أغسطس الماضي (رسم: أنس عوض)
+ الخط -
مع وفاة الشيخ محمد سعيد ملحس عن 93 عاماً، يوم 26 أغسطس/ آب الماضي، في مدينة نابلس، شمال الضفة الغربية، افتقدت فلسطين أحد أهم علماء أحكام تجويد القرآن الكريم في عصرها الحديث. فالشيخ الراحل يعود إليه الفضل في جمع أول كتاب في علم التجويد في فلسطين، بطريقة مبسّطة تلائم العصر.

في مطلع خمسينيات القرن الماضي، بدأ الشيخ ملحس نشر وتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم تطوعاً. واختص في رواية حفص عن عاصم (من القراءات العشر للقرآن المتفق عليها كصحيحة) فقط، بشقيها النظري والعملي، بالتزامن مع إطلاق الطبعة الأولى من كتابه "أحكام تجويد القرآن الكريم"، ضمن ما فهمه من علوم القرآن الكريم من شيوخه، وما قرأه عن علم التجويد.

الكتاب السهل في أسلوبه، لقي مديحاً من عدة مقرئين في العالم العربي، من بينهم الشيخ محمود الحصري. وقد وصل عدد طبعات هذا الكتاب إلى 18، واعتمد مرجعاً أساسياً ومنهاجاً للتدريس في فلسطين وخارجها، وكذلك منهاجاً للتدريس في امتحان التجويد المعتمد من قبل وزارة الأوقاف في فلسطين طوال عقود.

درّس الشيخ ملحس أحكام التجويد في عدة محافظات في الضفة الغربية المحتلة، وشجع على إجراء دورات لتعليم الأحكام في جانبيها النظري والعملي، وشجع كذلك على إجراء امتحان والحصول على شهادة خاصة لمن يجتاز الامتحان. وتبنت الفكرة وزارة الأوقاف، وما زال يُعمل بها حتى اليوم في الأراضي الفلسطينية، بحسب ابنه البكر أسامة ملحس في حديثه إلى "العربي الجديد".

حينما بدأ الشيخ ملحس في تلقّي أحكام التجويد على أيدي شيوخ عصره في نابلس، كان متميزاً بين أقرانه، يبحث ويناقش في مسائل التجويد، ويختلف مع شيوخه ويجتهد ذاتياً على الاستزادة في هذا العلم.

الشيخ المسن بقي كتلة من النشاط حتى في سنواته الأخيرة من أجل خدمة القرآن الكريم. أنشأ عام 1998 إذاعة للقرآن الكريم تبث من مدينة نابلس، ووصل بثها إلى كل الأراضي الفلسطينية والأردن وسورية ولبنان. يعمل في الإذاعة تطوعاً أبناؤه الثلاثة، وتموّل من الإعلانات. تبث عبر الإذاعة تلاوات القرآن الكريم للكثير من القارئين على مستوى العالم، وبرامج دينية أخرى.

تميز الشيخ ملحس في كونه شديد الحياء والتواضع بشهادة الجميع. وكان حساساً في التعامل مع الآخرين، صاحب صبر على تلاميذه. تتلمذ على يديه الكثير من الفلسطينيين من مختلف الأعمار، من أبرزهم: النائب في البرلمان الأردني عبد المنعم أبو زنط، والمحاضر في جامعة النجاح محمد الصليبي، والمحاضر في الجامعة الأردنية صلاح الخالدي، والنائب في المجلس التشريعي الفلسطيني حامد البيتاوي، وغيرهم كثيرون.

أحيا الشيخ أبو أسامة سنّة تعليم التجويد في نفوس الفلسطينيين مع الطبعة الأولى من كتابه مطلع خمسينيات القرن الماضي. وأطلق وزير الأوقاف الفلسطيني يوسف جمعة سلامة، قبل 20 عاماً على الشيخ ملحس، لقب "شيخ قراء شمال فلسطين".

جرت ترقية ملحس إلى مدير عام ومراقب لدور القرآن وتعليم التجويد في وزارة الأوقاف الفلسطينية. وكان يدرّس التجويد في عدة مساجد بمدينة نابلس كذلك، بالإضافة إلى عمله إماماً لأحد مساجد المدينة.

تمكن الشيخ ملحس من التدريس في عدد من المعاهد الإسلامية. لكنّ جامعة النجاح في نابلس رفضت طلب بعض تلامذته للتدريس فيها بحجة عدم حصوله على شهادة جامعية أو شهادة ثانوية عامة، بحسب المحاضر في كلية الشريعة بالجامعة محمد الصليبي، وهو الذي تتلمذ على يديه.

يقول الصليبي لـ"العربي الجديد": "منذ صغري في ستينيات القرن الماضي، ترددت على الشيخ في مسجد التينة في نابلس، من أجل تعلم أحكام التجويد. لم يكن علم التجويد منتشراً في فلسطين مثل هذه الأيام، وكانت قلة قليلة مهتمة به". يشدد الصليبي على أنّ الشيخ ملحس نقل علم التجويد والاهتمام به نقلة نوعية في فلسطين بعد عام 1967، فهو شيخ القراء في شمال ووسط الضفة الغربية، وقد بوّب علم التجويد بطريقة مبسطة يستطيع الطالب والمعلم فهمها.

ولد الشيخ محمد سعيد ملحس في مدينة نابلس عام 1923 لوالدين نابلسيين متديّنين. درس حتى الصف الرابع الأساسي في مدينة حيفا قبل احتلال الصهاينة لها. هناك كان أشقاؤه يعملون في التجارة بعد وفاة والدهم، وتنقلوا ما بين حيفا ونابلس. عاش يتيم الأب منذ كان في الثالثة، فأشرفت على رعايته والدته وشقيقه الأكبر. عام 1959، تزوج الشيخ من السيدة فاطمة فارس القدومي من مدينة نابلس (عمرها الآن 74 عاماً) وأنجب منها ثلاثة أبناء ذكور وبنتين.

دلالات