الشهرة المزيفة

الشهرة المزيفة

28 مايو 2016
الصورة

الشهرة نوع من الصناعة (Getty)

+ الخط -

في المشهد قبل الأخير من فيلم (Notting Hill)، تقف آنا سكوت، النجمة السينمائية (لعبت دورها جوليا روبرتس)، وهي ترتدي تنورة قصيرة وبلوزة بسيطة، وحذاء صيفياً عادياً، وتربط شعرها كأي فتاة لا يعرفها أحد، تقف أمام وليام ثاكر (لعب دوره هيو غرانت)، وهو شاب بسيط يبيع الكتب في مكتبةٍ مختصةٍ بأدب الرحلات، وتطلب منه فرصةً جديدةً لاستعادة الحب بينهما. يرفض ثاكر الفكرة، ويقول لها إنها نجمة يعرفها العالم كله، بينما هو تكاد والدته أن تنسى اسمه، فتجيبه آنا سكوت: "الشهرة غير حقيقية، أنا هنا الآن لأنني فتاة تحب شاباً، وتطلب منه أن يحبها، أنا مجرد فتاة".

هل يفكّر المشهورون جداً أنهم مجرد بشر كما الآخرين، أم أن للشهرة أمراضاً كثيرةً تحوّل الشخص العادي إلى كائنٍ فاقد إحساسه بالتساوي مع الآخرين؟ في زمن السوشيال ميديا الحالي، الشهرة نوع من الصناعة، مثل صناعة أي منتج آخر. مع اقتراب شهر رمضان الفضيل حالياً، تمتلئ شوارع العواصم العربية الكبرى بصور ممثلين وممثلات، سيقدمون أعمالاً جديدة في الموسم الرمضاني، تكاد صورهم تدخل بيوتنا لكثرتها، في شوارع القاهرة وساحاتها، مثلاً، لا ترى غير صورهم، كيفما التفتّ وأينما ذهبت. سيصبح هؤلاء مشهورين، حتى قبل عرض أعمالهم، العين التي تعتاد على رؤية وجهٍ ما ستميزه وسط الآلاف، عدا عن أن للميديا سطوة لا يُستهان بها لدى العامة، ومجتمعاتنا تبهرها الميديا، ويبهرها كل ما تنتجه.

لا يختص الأمر بمجتمعاتنا فقط، بل تبدو شعوب العالم بأكملها على هذه الشاكلة، نجوم الفن والإعلام والرياضة هم محط أنظار الجميع في كل العالم، تحقّق الشهرة إشباعاً كبيراً للأنا لدى البشر، وهي حقٌ لمن يحوز طاقات ومواهب استثنائية لا يملكها الآخرون الذين يسعون إلى تحقيق هذا الإشباع بالتقرب من المشهورين، كملاحقتهم ومتابعتهم والتقاط الصور معهم، عبر وضع أنفسهم ضمن قائمة المريدين لهم. يظهر هذا جلياً اليوم في "تويتر" و"فيسبوك"، حيث لنجوم الإعلام والفن متابعون بالملايين، يتناقلون صورهم وأخبارهم، ويتصدّون للدفاع عنهم في وجه منتقديهم، كأنهم بهذا يتقمصون شخصياتهم، لتعويض ما يظنونه نقصاً في شخصياتهم هم. أين ستكون المشكلة في هذا كله؟

ستكون، أولاً، في من يسستغلون ظهورهم الإعلامي في ظروف سياسيةٍ استثنائيةٍ، ويقدمون للجموع ما يحرّك غرائزها، فيحشدون ملايين المعجبين والمريدين، باستخدام شعبويةٍ هدّامة وكارثية، وتؤسس لانقسام شعبي ووطني حاد، أو على الأقل تساهم في تكريسه. ستكون المشكلة ثانياً في الذين لا يملكون الموهبة اللازمة للشهرة، فيعتمدون على العلاقات العامة للظهور والاستعراض، ويصدّقون أنفسهم أنهم أشخاص مهمون. أما ثالثاً فستكون المشكلة لدى المستحقين فعلاً الشهرة من أصحاب المواهب والجهد المتواصل، لكنهم يتعاملون مع شهرتهم التي ساهم الإعلام بتحقيقها، بوصفها أمراً استثنائياً، فتتحول يومياتهم إلى استعراضٍ إعلاميٍّ متواصل، من دون أن يتركوا لأنفسهم فرصة العودة إلى طبيعتهم الإنسانية العادية، إذ ثمّة قناع دائم يخفون خلفه شخصياتهم الحقيقية، بحيث يظهرون مثاليين وكاملين، من دون أي نقصٍ من نواقص البشر العاديين، وهو ما عبّرت عنه آنا سكوت، حين قالت إن شهرتها ليست حقيقية، وإنها مجرد فتاة عادية عاشقة.

 شيء أخير، وهو أكثر ما يهمني في هذا الموضوع، هو حالة الكتّاب الذين يسعون إلى النجومية، والذين لا يفرقون بين معنى أن تكون كاتباً معروفاً وأن تكون نجماً. سيحقق هؤلاء الانتشار الذي يحلم به الجميع، لكنهم، في سبيله، يتخلون عن تجربة الحياة، عن الضعف والخوف والمكاشفة والمكابدة والوقوع في الخطأ. تسير هذه التجربة مع الموهبة على النسق نفسه. لا يتطوّر كاتبٌ من دونها، يتصرف بعض هؤلاء الكتاب كما لو كانوا يتمنون لو أنهم نجوم فن، يضعون قناع المثالية المترفع عن نواقص المجتمع نفسه. يتخيل هؤلاء صورهم، وهي تملأ ساحات العواصم الكبرى في المواسم الرمضانية، حين سيتم استبدال المسلسلات الدرامية بمسلسلاتٍ من بطولة الكتاب أنفسهم.

دلالات