الشعر والصحافة

07 مايو 2016
الصورة

بدأت بالكتابة الصحافية الدورية منذ ما يقارب الثماني سنوات، توقفت خلالها سنتين، بعد انطلاقة الثورة السورية، ثم عدت إلى الكتابة الأسبوعية. في بدايات كتابتي الصحافية، كنت أظن أنها، ذات يوم، ستستهلك لغتي الشعرية ومفرداتها، إذ للعمود الصحافي شكله السردي الذي يحتاج إلى الشرح والاستفاضة واستخدام المخزون اللغوي بكامله، على عكس الشعر، فن الاختزال والتكثيف والحذف، غير أنني، لاحقاً، بدأت أنتبه أن تلك الفكرة لم تكن سوى فكرة مسبقة، و"كليشيه" إذا صح التعبير، فمع طول مدة الكتابة الصحافية الأسبوعية، ولا سيما وأنني أكتب الآن عموديْ رأي أسبوعيين، أحدهما أميل إلى الرأي السياسي، انتبهت إلى أنني صرت أكثر غزارةً في كتابة الشعر مما كنت عليه في السابق. لغتي تغيّرت، هذا مؤكد، غير أنني أرى هذا التغيير إيجابياً، أصبحت لغتي أكثر بساطةً، وصرت أكثر قدرةً على التلاعب في تركيب العلاقات اللغوية في نصي الشعري، من دون إفراط في التعقيد اللغوي.

صرتُ أكثر ميلاً للفكرة، وأكثر قدرةً على تطويع الخيال مع اللغة. لم يكن هذا من تأثير كتابة العمود الصحافي فقط، بل أيضاً هو تأثير الكتابة اليومية على "فيسبوك"، وهو ما غيّر في لغتي السردية في العمود الصحافي. انتبهت أيضاً إلى شيء مهم في تجربتي في المجالين. سابقاً، كنت أميل أكثر إلى اللغة الشعرية في كتابتي الصحافية، بحيث يبدو كما لو أنني أكتب نصاً أدبياً، قوامه محمول على اللغة، ومتكئاً عليها أكثر من اتكائه على الفكرة والموضوع. الآن، أشعر أنني لم أعد قادرةً على هذا النوع من الكتابة، ليس مجرد شعور، هو تجربة أيضاً، حاولت مراتٍ أن أكتب، كما كنت أكتب في السابق: أختار موضوعاً ما، وأبدأ التفكير باللغة التي سأكتبه بها. فشلت، حاولت هذا مراراً وفشلت، تصرّ الفكرة عندي على الظهور في المقال أكثر بكثير مما تظهر اللغة الشعرية، لا يعني هذا أن لغتي صارت مسفّة، أو هكذا أدّعي، إنما أصبحت أكثر سهولةً، وأعتقد أنها أصبحت مطواعةً أكثر في أثناء تناول موضوعٍ ما، لكنها، في الوقت نفسه، لم تصبح حياديةً وباردة. وهنا، يظهر التأثير المعاكس، أقصد تأثير الشعر على العمود الصحافي. في الشعر، لست حياديةً مع نصي أبداً. أكتب من داخل النص، لا من خارجه. من يقرأ نصي يراني داخله، سيظن أنني لا أكتب سوى عن نفسي. هذه طريقتي في الكتابة الشعرية، ولا أدّعي أبداً أنها الأصح أو الأجمل. هي فقط طريقتي الشخصية، هذا جعل من كتابتي الصحافية تشبه ذلك، حتى في المقالات السياسية، لا يمكنني أن أكتب بحيادية.

لا أكتب تحليلاً، لا سياسياً ولا غير سياسي. أكتب ما أفكّر به، ما أراه، ما أشعر أنه يناسب قناعاتي ورؤيتي للأشياء وللأحداث. أكتب عمّا أنا منحازةٌ له، أو منحازةٌ ضده. أنا معنيةٌ بالأفكار التي تناسب قناعاتي ورؤاي. معنيةٌ بما هو ضدّها أيضاً. وجود الضد هو ما يرسّخ القناعات، ثمة أشياء كثيرة لا تعنيني. لا أكتب عنها، ولا أقترب منها. من جهةٍ أخرى، لا أشعر أن الكتابة الصحافية تعيق عملي الأدبي أبداً، حتى كتابة الرأي السياسي. على  العكس تماماً، المواظبة على الكتابة الصحافية تجعل لغتي حيةً وقابلةً للتغيير الدائم، كما أنها ساعدت مخيلتي الشعرية على الوصول إلى مستوياتٍ لم أكن ألمسها سابقا، شيء آخر أراه مهماً في الكتابة الصحافية، معها تصبح عملية الكتابة مهنةً أكثر منها غوايةً وتجربةً، مهنةً عليك أن تحترفها، كما تحترف أية مهنة أخرى، بينما ينأى الشعر بنفسه عن أن يكون مهنةً، ويصرّ على أن يبقى تحت التجريب والاختبار الدائميْن، فإذا تحوّل إلى مهنةٍ، فقد قدرته على الغواية، وأنا من المؤمنين بأن الشعر الذي لا يغوي ليس شعراً. لهذا، ربما نقول، دائماً، إن الشعر لا يطعم خبزاً، في بلادنا على الأقل، حيث مهنة الكتابة الإبداعية عموماً لا تصنف ضمن المهن (الكسّيبة).

ورقة كان يفترض أن أقدمها في ندوة ضمن فعاليات معرض أبو ظبي للكتاب، لكنني لم أحصل على تأشيرة دخول.

تعليق: