الشعبوية والانتقال الديمقراطي .. تونس مثالاً

19 يوليو 2020
الصورة

يقول عالم الاجتماع الفرنسي، آلان توران، إن الشعبوية مرض الديمقراطية الطفولي. وهذا تعريف مهم، لأنه يربط، بشكل متوازٍ، بين الديمقراطية والشعبوية. ولكنه ينعت هذا المرض بالطفولية. فالشعبويون ينزعون، بعفويةٍ أو تصنّع، إلى تمثل العالم وتقديمه وفق وعي طفولي قائم على الثنائيات البسيطة: نحن/ هم، الخير/ الشر، وأحلام وكوابيس ومؤامرات كثيرة، فضلاً عن رفض الوسائط والإصرار على الاتصال المباشر بالأشياء. يتجلّى ذلك خصوصاً في القاموس الذي يشيعه هؤلاء، إنه قاموس فقير، سهل خالٍ من تعقيدات عالم الكبار. 

لم تعد الشعبوية مصطلحاً غريباً، ولم تعد أيضاً سلوكاً وممارسةً نادرَين. والحجّة في ذلك أن أنظمة سياسية عديدة تُنعت بالشعبوية تحكم بلداناً عديدة، أوروبا وآسيا وأميركا... إلخ. كذلك فإن المعارضات تبنّت هذا النهج. ظهرت هذه الشعبويات المتعدّدة في ديمقراطياتٍ عريقة ترسخت أكثر من قرنين، أو في أنظمةٍ بصدد بناء ديمقراطيتها، غير أن الحالة التونسية يمكن أن تقدّم مخبراً فريداً لتحليل الديمقراطية وتشريحها، في حالة انتقال ديموقراطي هشّ. ومن المهم الإشارة إلى أنه لم يكن لاستعمال المصطلح دلالة سلبية عند ظهوره أواخر القرن الماضي، ولكن ابتداءً من عام 1980 ظهر انزياحٌ في المعنى، وغدا المصطلح متضمّناً كثيراً من الدلالة السلبية.

أزمة ثقة في النخب السياسية استفحلت تدريجاً، ناجمةٌ عن تدنّي الأداء وضعف النتائج

حالياً، لم يعد السياسيون وغيرهم يتحرّجون من نعتهم بالشعبوية، بل يفتخرون به، ويتبجّحون علناً بأنهم شعبويون. ويقدّمون أنفسهم كذلك، بزهوٍ كثير، على أساس أنهم ليسوا أبطالاً، ولا زعماء خارقين للعادة، بل هم من الشعب، وأحياناً يدّعون أنهم الشعب أصلاً. ويشكل هذا الاعتقاد لديهم مصدر قوة ونفوذ وسلطة أكبر حتى من القادة الكلاسيكيين ذوي الكاريزمات المخلتفة. وقد خلنا أن الأمر محصور في بلدان ديمقراطية عريقة. ولكن يبدو أن حالات الانتقال الديمقراطية يمكن أن تشكل بيئة حاضنة للشعبوية، حتى إنها قد تكون حقلاً خصباً لتشكل شعبويات، خصوصاً أنها شعبويات الانتقال الديموقراطي. خلال أقل من عقد، نمت شعبوية فريدة، والأرجح أنها استفادت من جملة من العوامل، لعل أهمها:

أزمة ثقة في النخب السياسية استفحلت تدريجاً، ناجمةٌ عن تدنّي الأداء وضعف النتائج، علاوة على عنف النزاعات وتصاعد ظواهر الفساد. لا يمكن أن نغفل عن الانشقاقات الحزبية والسياحة الحزبية داخل البرلمان وصورته المنفّرة. الحركات الاحتجاجية التي نمت خارج الأطر التقليدية للعمل السياسي والمؤسسات التمثيلية، وأظهرت فئات شعبية واسعة خارج السياسة بالمعنى التقليدي، فهذه الحركات الصاخبة تغذّي المزاج والأطروحات الشعبوية. وسائل التواصل الاجتماعي تشكل حقلاً افتراضياً للمواطنة المفتوحة التي تتيح للأفراد أن يناقشوا أعقد المسائل السياسية، من دون أي تحفظ، وهم لا يحتاجون في ذلك كله إلى وسيط أو ممثل يكون ناطقاً باسمهم، أو معبّراً عن أفكارهم ومواقفهم أنها ديمقراطية مباشرة. حالة الاستقطاب وفراغ المناطق الوسطى من الحقل السياسي، وقد صاحب ذلك استفحال عزوف سياسي حاد في أوساط عديدة.

حالات الانتقال الديمقراطي يمكن أن تشكل بيئة حاضنة للشعبوية، وقد تكون حقلاً خصباً لتشكل الشعبويات

أصبحت هذه البيئة حاضنة لخطاب سياسي شعبوي يصوغه سياسيون ديماغوجيون (حاكمون أو معارضون)، تكون البلاغة المتملقة للجمهور عملتهم النادرة ورهانهم الأعظم. علينا أن نقرّ بأن الحياة السياسية في تونس مهيّأة، منذ زمن بعيد، لأن تستقبل موجاتٍ من الشعبوية، تكيّفها وتطوّعها وفق خصوصيات السياق التونسي، لأسباب عديدة، لعل أهمها أن مسارات الدمقرطة المتأخرة الذي شهدها العالم قد أدركت الديمقراطية وهي منهكة، أي إنها بصدد المراجعة بحكم التوترات البنيوية التي رافقتها منذ القرن التاسع عشر. لم تتجنّب تجارب الانتقال الديمقراطي (تونس تحديداً) أمراض الديمقراطية وعللها بعد شيخوخة منهكة. الثقافة السياسية للتونسيين، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، قامت على تمجيد الشعب. فمقولة الشعب كانت حاضرةً في المدونة الأدبية والشعرية لرواد الحركة الأدبية مطلع الثلاثينيات، وفي مقدمتهم الشاعر الكبير، أبو القاسم الشابي، وقد ضُمِّن بيته الشهير "إذا الشعب يوماً أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدر" في النشيد الوطني. كذلك فإن الخطاب النقابي مع الزعيم الراحل، فرحات حشاد، "أحبك يا شعب" لا يزال يتردد في التحرّكات النقابية منذ الثلاثينيات، فضلاً عن صحف ومجلات عديدة حملت اسم الشعب. كما كان "الشعب يريد" من أبرز الشعارات في فصول ثورته الهائجة والمربكة. ولعل ذلك ما دفع عشرات الأحزاب بعد الثورة إلى حمل مسمّيات حركة الشعب، التيار الشعبي، الاتحاد الشعبي... إلخ. انتشار عدة ممارسات واقعية أو افتراضية ترفض علوية القانون وسيادته، وتجنح مباشرةً إلى إملاء قراراتها وأوامرها، من دون الانضباط للقانون والمؤسسات. الشعب وسيادته سردية مغرية في الثقافة السياسية التونسية، ومنها تسلّلت الشعبوية لتجد لها رواجاً في ظل الأزمات المعقدة والمركّبة، المشار إليها سابقاً.

لكل هذه الأسباب، تمكّنت الشعبوية من الانتقال الديمقراطي الهشّ في تونس، وأصابته بكثير من التسطيح والغش والسذاجة التي يصدّقها للأسف كثيرون، حتى أصبحت بديلاً جذّاباً.