الشعبوية في السودان .. مِلحُ الديمقراطية أم سُمُّها؟

15 يوليو 2020
الصورة

"زعمي الأساسي أن الشعبوية لا تستطيع حل المشكلات التي يتصدّى لها الشعبويون" ناديا أوربيناتي (أنا الشعب، ص: 318)

يتطلَّع السواد الأعظم من السودانيين إلى حياة اجتماعية وسياسية كريمة، بيد أنهم، وفي غمرة الحماسة الثورية، لا يسعون إلى التفكّر في الآلية (أو المنهجية) التي يمكن بموجبها أن تتحقق هذه الغاية (أو ذاك الهدف)، لأن تحقق الغايات، في ظل هذا الانفعال الوجداني، لا يرتبط بمنطق الأشياء، قدر ارتباطه بقدرة "الزعيم" (أو البطل المغوار) على الإنجاز، إذ إنَّ اتخاذ "الزعيم" إجراءاتٍ من شأنها أن تتسبب في استفحال اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية، المتوقع أن تحدث جرّاء القرارات التي ستتخذها قريباً حكومة الفترة الانتقالية، والتي لا تختلف عن القرارات التي اتخذتها حكومة النظام المخلوع عام 2012، وتسببت في إضرام جذوة الانتفاضة الشعبية، غير المكتملة، التي راح ضحيتها مئات من الشباب. أقول إنَّ اتخاذه تلك الإجراءات معتمداً برنامج الإصلاح الهيكلي، واستسلامه التام لموجهات الشركاء واشتراطاتهم، يكون رئيس الحكومة، عبدالله حمدوك، قد تخلى عن الوثيقة الدستورية، كمرجعية حاكمة، وعن الحوار السياسي والمجتمعي الذي تولت إدارته قوى الحرية والتعبير، بل وعن كل السبل التي كان يمكن أن تعتمد، للحد من تنامي الأوليغاركية المستفحلة والجشعة. 

لن يمر وقتٌ قبل أن يحسم القرار الوطني لصالح هذه الأقلية المتنفذة التي تسعى إلى الفصل في القضايا التي تتعلق بالخيارات الأساسية لوجهة السياسة السودانية، من خلال ترويجها وتبنيها فكرة البعثة الأممية. والسؤال: كيف تمكّن حمدوك، بإمكاناته الخطابية المتواضعة، والفكرية المتضعضعة، من تخطّي المؤسسات السياسية إلى الاستمساك بالشعبوية وسيلةً لتحقيق أهدافه الاستراتيجية؟ ببساطة، لقد ساعدت المنظومة الثلاثية (قوى الحرية والتعبير، المؤتمر الوطني، والأوليغاركي المتنفذة عالمياً) في إشاعة صورة الزعيم الذي لم يعد يكتفي بتبنّي الأفكار، إنما أصبح أيضا تجسيداً للفكرة، فالتمثيل الذي حازه (أو الشرعية) لا يمثل تفويضاً، إنما يشكل التحاماً شاملا وكلانياً يجعل من الصعب مراجعة قراراته أو الطعن في صدقيتها. وهنا خطورة الشعبوية التي لا تهمل فقط موضوع المساءلة والتدقيق، إنما أيضا تزدريهما، كما لا تُعنى بالحوار وسيلة لصناعة الرأي واتخاذ القرار، قدر اعتنائها بالانطباع المتشكل عبر الصور والرموز الموحية للزعيم (راجع كتاب "أنا الشعب" لناديا أوربيناتي، ترجمة عماد شيحة، دار الساقي، بيروت، 2020).

الدولة لا تعتمد فقط مرجعيةً بعينها في الشأن الاقتصادي، لكنها أيضا تدفع بمفهومية تناول الشأن الاقتصادي بمعزلٍ عن الشأن السياسي

من هنا نتفهم فكرة "الرّدم" (التعريض بالشخص قبل التعرّض للفكرة) الذي يتبنّاه الجمهور الافتراضي وسيلةً للتخلص من وجهة النظر المناوئة، ويتّخذه أداة لحسم الحوار، ريثما يتم إعلان انتصار "الشعب الأصيل"، وتتمكّن الجماهير الغالبة من دحر الشعب "غير الأصيل"، والذي يحلو لها أن تطلق عليه، في هذ الظرف، لقب "الكوز". ولنتصوّر أناساً كانوا في البرلمان الذي صادق على ترشيح عمر البشير مراراً أصبحوا اليوم ثوّاراً، وآخرين لم يلتقوا مطلقا بفكره أو منهجه، صاروا "كيزانا" لمجرّد أنهم رفضوا الشعبوية وسيلةً لتحقيق الأغراض الوطنية.

كما يسعنا تفهم ظاهرة (شكراً_حمدوك) التي ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي في تناميها، واستفحلت مودعةً ثقتها لدى الزعيم الذي ما عاد يُعنى بالحوار وسيلةً لتحقق الثقة، إنما ارتضى التسليم (الثقة عبر الإيمان) من الجمهور حيلةً لتحقق الإرادة.

ولتنامي ظاهرة الشعبوية صلة بفقدان الشعب ثقته في المؤسسات الحزبية، أكثر من ازدرائه أو عدم احتفائه بمسألة الوعي أو الرشد السياسي، ففي محاولةٍ لتخطي النظم الدستورية، لا يُشترط وجود افتراضات أيديولوجية بشأن الشروط الاجتماعية، أو توفر أي مفاهيم معيارية عن الديمقراطية، إنما هناك فقط رغبة عارمة لدى الشعب لاستعادة سلطته من النخبة التي ما عاد يعيرها احتراماً، أو يوليها أيّ اهتمام. يقابل ذلك تمجيد (وترسيخ) لصورة الزعيم المفترض أن يترجم آراء الشعب إلى قرارات، من دون أي مماطلة أو تسويف. لقد خرج الشعب يوم 30 يونيو/ حزيران 2020 في مسيرة هادرة لتصحيح مسار الثورة، ورفع مذكرة تضمنت نقاطاً محدّدة، فطلب رئيس الوزراء عبدالله حمدوك من المتظاهرين إمهاله أسبوعين! يا ترى، هل ستكفي حمدوك وطاقمه هذه المهلة لإنجاز مطالب عجزوا عن تحقيقها في 14 شهراً؟ لا أعتقد ذلك، لكنهم يعوّلون على الذاكرة السميكة للشعوب الأفريقية، لا سيما السودانية. الأدهى، إنهم يعتمدون على الشعبوية.

لتنامي ظاهرة الشعبوية صلة بفقدان الشعب ثقته في المؤسسات الحزبية، أكثر من ازدرائه أو عدم احتفائه بمسألة الوعي أو الرشد السياسي

قد تأتي القرارات مغايرة تماماً للوجهة التي ارتضاها الشعب، مثلما حدث بشأن التحقيق في جريمة فض الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم في يونيو/ حزيران 2019، القرارات الاقتصادية، البعثة الأممية، الولاة، حكومة الكفاءات، فكل ذلك لا يهم، لأن الشرعية مسألةٌ رمزيةٌ أكثر مما هي مسألة مؤسسية. المهم أن يتظاهر حمدوك (أو القائد أيّاً كان) بأنه واحد من الشعب، فهو ما زال يستخدم "الصمت" استراتيجيةً، ليبدو كأنه واحدٌ من الشعب، وأنه ضحية تآمر من قوى الحرية والتغيير أو من العسكر أو من الجبهة الثورية، أو منهم جميعاً. يستخدم حمدوك (بخلاف حسن الترابي أو الصادق المهدي) "أيديولوجيا هزيلة"، تخفي "أيديولوجية مكتنزة" تمضى به إلى ينبوع السلطة، من دون أن تعتري طريقه عقباتٌ، أو تعترضه مطبّات. وهنا تكمن حيل "الزعيم" الماكرة، وأساليبه المخاتلة التي يستخدمها في تحقيق أغراضه، سيَّما في ما يخص القضاء على خصومه، دونما إثارة لضوضاء، أو إظهار لشحناء قد تكسبه أعداء.

تتبدى هزالة مثل هذه الأيديولوجيات في عدم محاولة مستخدميها التحرّك لتغيير الدستور أو إعادة تحديد وظائف الدولة، فهي تتخطى ذلك كله، مدّعية الضبط والموازنة، وذلك بالإبقاء على التنافس السياسي داخل الأقلية المتنفذة، فيما يتحرّك أفرادها برشاقة متناهية، تستفزّهم الرغبة في ترجمة إدارة الدولة إلى تحيز منهجي. هم لا يمارسون السلطة فقط، إنما أيضا يجسدونها فيصبحون، على الرغم من دواعي السيرورة، قيمين دائمين على "تدوير" السلطة العامة. بمثل هذه التصرفات وتلك التوجيهات، تنعدم العدالة الإجرائية، باعتبارها شرطا ضروريا لاستقرار النظام السياسي في السودان، وفي بعض بلدان العالمين، العربي والأفريقي.

انعدام العدالة الإجرائية هو الذي يضيف، أو يعدم بالكلية، هامش المناورة السياسية، فيحرم المجتمعات من فرصةٍ تستحقها لإعادة وصف العلاقات الاجتماعية. وإذا كانت الوساطة ضرورية لإحداث التوازن الاجتماعي والسياسي، فإن الاعتدال هو المناخ المعنوي الذي نحتاجه، كي نُبقي على التوازن الاجتماعي، ونحول دون التمكين المفرط للمصالح الطبقية.

في أوج الثورة، تندمج الإرادة والرأي، فيمثلان أقوى شرعيةٍ تحتاجها النخبة لتفادي الانقسامات الأفقية في المجتمع، وسيادة الخطاب الرأسي / العمودي مجتمعياً. في ثورتي إبريل (1985) وأكتوبر (1964)، لم تكن هناك انقسامات أفقية، بمعنى أن الصراع كان منحسراً بين النخب اليسارية واليمينية. أمّا في ثورة ديسمبر (2018)، فإن الرؤية عن الشعب باتت لعبة مفتوحة على التأويل، على الرغم من محاولة النخب المركزية المتكرّرة لتأويل جزء من الشعب على أنه الكل، ودمج الأخير بإرادة الدولة؛ بمعنى تبنّيها تعريفا أحاديا للسيادة، وقد تبدّى ذلك في محاولة قوى الحرية والتغيير ترويج أيقونات (أولاد وبنات)، من مناطق محدودة وبسماتٍ معروفة، متناسية أو متفادية إظهار السحنة الغالبة للمجتمعات الثائرة من سنار، نيالا، الجنينة، وأخيراً نيرتتي.

في أوج الثورة، تندمج الإرادة والرأي، فيمثلان أقوى شرعيةٍ تحتاجها النخبة لتفادي الانقسامات الأفقية في المجتمع، وسيادة الخطاب الرأسي / العمودي مجتمعياً.

بقدر ما ساعدت في جلب السياسة إلى الشعب، فقد حرمت الميديا الشعب من التعاطي مع الشأن السياسي بصورة مؤسّسية، طبعاً باستثناء القلة التي امتلكت الحيل المادية لرسم السردية بالطريقة التي يتصوّرها الزعيم، في هذه الحالة حمدوك ومثقفوه. وإذا نجحت فئةٌ بعينها في اختطاف المنصة والاستحواذ على المشهد السياسي، فإنها لم تنتبه إلى حجم الالتباس البنيوي الذي يمكن أن تحدثه مثل هذه الانتهازية، في ظل مجتمع يعاني من حالات انقسام عمودي ورأسي، وانقسام أفقي، فالشعب لم يعد الخرطوم فقط، بل أصبح عابراً للمكان (التعبير للمؤرخ الفرنسي برنارد جاك)، وتجاوز حدود السودان.

وإذا شئت، انظر إلى إسهام الدياسبورا (الشتات) في الثورة السودانية، وحجم الضغوط التي مارستها على الحكومات المدنية والمتحضرة، للدفع نحو التغيير ودعم مسار الثورة السلمي. أما في ما يتعلق بذاكرة الأمة، فقد تعدّدت، وطاولتها عملية إعادة بنائية تاريخية، لم تعد تنظر إلى أي سردية بنوع من القدسية. هنا يمكن للمرء، عالم الاجتماع خصوصا، أن يتوجّس وينظر خيفة إلى مستقبل الثورة السودانية التي قد يغشاها رُهاب الشعبوية الفاشية، إذا لم تتخذ التدابير السياسية، وليس فقط الأمنية المناسبة، وقد رأينا وسمعنا عن تصفياتٍ في أوساط "لجان المقاومة". هذا الجسم الذي تمنّع على الأحزاب، وعلى محاولات التطويع كافة، يمكن أن تشوبه تشوّهات وتجرفه انفعالات، قد تحيد به عن مرامي الثورة التي ضحّى من أجلها بالغالي والنفيس، فالواجب العمل منذ الآن على تأهيل أعضائه، كما البدء في التفكير الجدّي لتدريبهم، كي يتمكنوا من لعب دور إيجابي، وليس فقط احتجاجياً، والانخراط معهم وتحفيزهم لتنفيذ مشاريع وفق الاشتراطات والمحدّدات المعروفة للعمل السياسي المدني. أمّا تجاوزهم ومحاولة التلاعب بهم، أو انتظار الأيام علها تلغي فورة حماسهم، فلن يحقق أكثر من الفوضى السياسية والمجتمعية، وسيحرم البلاد من رافعةٍ كان يمكن أن تحقق الارتباط العمودي اللازم في غياب المؤسسات الحزبية التي يلزم استصدار قانون جديد بشأنها، يساعد في مأسسة قيم الديمقراطية داخل أطرها، ويسهم في إعادة تكوينها وفق منهجية دستورية وقانونية محدّدة.

بقدر ما ساعدت في جلب السياسة إلى الشعب، فقد حرمت الميديا الشعب من التعاطي مع الشأن السياسي بصورة مؤسّسية

إلى حين حدوث ذلك، سنشهد احتقاناً في المشهد السياسي، وقد يزيد هذا الاحتقان حتى يصل إلى مرحلة الانفجار، خصوصا إذا ما أصرّت حكومة الفترة الانتقالية على تجزئة المطالب وفردنة الأفكار والمصالح، فالدولة لا تعتمد فقط مرجعيةً بعينها في الشأن الاقتصادي، لكنها أيضا تدفع بمفهومية تناول الشأن الاقتصادي بمعزلٍ عن الشأن السياسي. كما أنها لا تعتمد رؤية أخلاقية محدّدة لتحقيق التسوية السياسية. ولحكومة حمدوك تصوّر للبعثة الأممية، لم يسبق أن تحقق في أي من الدول التي انتدبت إليها، كانت آخرها ليبيا التي زادت البعثة فيها الطين بِلة. والضعف الداخلي لا يمكن أن يتم التعويض عنه بمحاولة إسناد خارجي، لأن القادمين لا يدركون حجم التعقيدات، وكل ما في وسعهم فعله تهيئة المناخ للكادر الوطني، كي يسهم بفاعلية في المحاولة للوصول إلى تسوية وطنية شاملة.