الشعبويات والرئيس وأحزاب الاستبداد في تونس

16 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

يبدو رئيس الحكومة التونسية المكلف، هشام المشيشي، في تصريحاته أخيراً، مصرّاً على المضي في تأليف حكومة تكنوقراط. وعلى الرغم من تحذيرات أحزاب عديدة، بما فيها المحسوبة على الرئيس قيس سعيد، على غرار حزبي حركة الشعب والتيار الديمقراطي اللذين كانا أول من نادى بـ"حكومة الرئيس"، على إثر إسقاط البرلمان حكومة الحبيب الجملي، فإن الرجل أكد أنّ خياره الأمثل سيكون جمع كفاءاتٍ وطنيةٍ، جلهم من خرّيجي المدرسة القومية للإدارة التي أنشأتها الدولة التونسية في السبعينيات، من أجل النهوض بالإدارة وجودة خدماتها. لا يجرؤ المشيشي على القول إن هذه هي خيارات الرئيس الذي اصطفاه، تجنباً لإحراجه، لكن الكل يعلم أنه (الرئيس) قد عبّر عنها في مناسباتٍ كثيرةٍ، بدأت حتى قبل انتخابه رئيساً للجمهورية. وربما شجعت اللقاءات التي عقدها رئيس الحكومة المكلف مع بعض المنظمات الوطنية، ومنها الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الأعراف، ورجال أعمال وشخصيات مستقلة، فضلاً عن مزاج عام أصبح متبرّماً من الأحزاب، بل مناهضاً لها، على الذهاب في ذلك الخيار. ويجرى حالياً في الفضاء العام في تونس جدل حادّ لا يشمل أداء الأحزاب فحسب، بل جدوى وجودها أصلاً. وينتشر خطابٌ، حتى لدى أوساط مثقفة ومسيسة، يحرّض على الأحزاب إلى حد الشيطنة، ويعتبرها مسؤولة عن كل الشرور والخطايا التي عرفتها البلاد بعد الثورة.

ينتشر خطابٌ، حتى لدى أوساط مثقفة ومسيسة، يعتبر الأحزاب مسؤولة عن الشرور والخطايا في تونس بعد الثورة

عرفت البلاد التونسية، منذ عشرينيات القرن الفارط (الماضي) الظاهرة الحزبية في تعدد مرجعياتها وزعاماتها: من حزب دستوري محافظ إلى حزب شيوعي، ثم انتكست هذه التعدّدية بعد الاستقلال، لتسقط البلاد تحت هيمنة حزبٍ واحد، هو أقرب إلى حزب شمولي احتكر الحياة السياسية، واستولى على الدولة. وفي آخر عهد الرئيس الراحل، الحبيب بورقيبة، ومع قدوم محمد مزالي رئيساً للحكومة، بداية الثمانينيات، عرفت البلاد انفتاحاً جزئياً سمح بتعدّدية حزبية محدودة، سرعان ما تم الالتفاف عليها مجدّداً لينفرد الحزب الدستوري (سيُعرف لاحقاً مع فترة الرئيس بن علي باسم التجمع الدستوري الديمقراطي) باحتكار الدولة وفرض وصايته على المجتمع، مع وجود أحزاب موالاة شوّهت المشهد وزيّفت الوعي.

على الرغم من كل هذا التاريخ العريق للظاهرة الحزبية في تونس، يبدو أن الأحزاب منذ أشهر في اختبار عسير يهدّد وجودها. لن يكون الأمر، هذه المرّة، استناداً إلى أدوات المنع القانوني لها، فهذا، دستورياً وقانونياً، غير وارد مطلقاً، وإنما بانتشار صور وتمثلات وقناعات مناهضة لها بشكل قوي، ولن يؤثر عليها هذا الحال فحسب، من حيث وظائفها وأدائها أدوارها وعلاقاتها بعموم المواطنين، بل سيؤثر على التجربة الديمقراطية ذاتها.

الأحزاب التونسية منذ أشهر في اختبار عسير يهدّد وجودها

منذ قدومه من خارج المنظومة الحزبية، وهو الذي رفض حتى مساندة الأحزاب له، لم يخف الرئيس قيس سعيد معارضته الأحزاب ذاتها من دون استثناء، معتبراً إياها هياكل أكل عليها الدهر وشرب. بل لم يتوان، من حين إلى آخر، في التحرّش بها، والإيحاء بأنها وراء فساد الحياة السياسية، لا هم لها سوى المصالح الفردية لزعمائها وإبرام تحالفاتٍ على حساب المواطن والوطن. يتطرّف الرئيس في موقفه هذا، حين يؤسّس له نظرياً باتهام الأحزاب بأنها تتحايل على إرادة الشعب، وتحول دون تجسّدها. وهذا ما يجعلنا على تخوم مقولة "من تحزّب خان" و"اللجان في كل مكان" التي ابتدعها معمر القذافي. منذ الشهر الثاني لتولي قيس سعيد الرئاسة، في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، انتبه أستاذ القانون الدستوري، عياض بن عاشور، إلى هذا الخطاب الغريب عن الثقافة السياسية للتونسيين، وعدّ قيس سعيد خطراً على الديمقراطية الناشئة. رأى بعضهم آنذاك في التصريح مبالغة، قد تكون وراءها تصفية حسابات أكاديمية بين الرجلين، ولكن تلك التحذيرات المبكرة تجد لها الآن ألف سند وحجّة. 

وبقطع النظر عن صلابة هذا الموقف، على المستوى النظري أو العملي، فإن الأحزاب لا يمكن أن تعتبر نفسها ضحية، وهي التي كانت تعلم أن الرئيس لا يستلطفها منذ بدء حملته الانتخابية، ومع ذلك ظلت تواصل الخطاب نفسه، والممارسات نفسها، حتى قدمت له هدية ثمينة على طبق من ذهب.

يتطرّف الرئيس في موقفه حين يتهم الأحزاب بأنها تتحايل على إرادة الشعب، وتحول دون تجسّدها

في مناخ ترذيل الأحزاب السياسية، يبدو أن المستفيد الأول هو الخطاب الشعبوي للرئيس سعيد ذاته، حيث تؤكد آخر استطلاعات الرأي أن شعبيته ظلت تراوح مكانها تقريباً، بل سجلت تقدماً ما، وأن منافسيه المحتملين يقبعون في منزلةٍ بعيدة جداً عنه، ويصعب في المنظور القريب أن يتدارك هؤلاء على حسابه. ولا يكتفي الرئيس بنشر خطاب شعبوي، وابتكار ممارسات شعبوية، على غرار الصلاة في مساجد في أحياء شعبية وزيارة عائلات فقيرة ضمن جولات تفقد ليلية.. إلخ، بل يمعن في التشفي من هذه الأحزاب وإهانتها. وهو يعتقد أن الشعب فوّضه تجاوزها، والذهاب إلى تعيين حكومة تكنوقراط لا تكون فيها.

على الضفة الأخرى من هذا المشهد الذي تنكمش فيها الأحزاب، تحت وطأة الإهانات الموجعة رمزياً التي وجهها إليها الرئيس سعيد، تستعيد رئيسة الحزب الحر الدستوري (وريث نظام الاستبداد)، عبير موسى، بعضاً من شعبيتها، في مفارقةٍ غريبة .. يلتقي الرئيس سعيد وموسى في مخيم واحد، يجمعهما تحت خيمة واحدة، هي رفض "منظومة ما بعد الثورة"، كل منهما على طريقته الخاصة.