الشرطة الفرنسية في فيلمين: تناقض سينمائيّ

26 يونيو 2020
الصورة
إفيرا: صورة نقية للشرطة الفرنسية (فاليري هاش/ فرانس برس)
+ الخط -
يصعب أحياناً فصل فيلمٍ عن واقع بلدٍ يتناول الفيلم بعض حكاياته الواقعية. لن يكون كلّ فيلمٍ معنيّاً، مباشرة، بهذا الواقع. غالبية الأفلام تُنجَز في مراحل سابقة على حدثٍ، يوحي الفيلم كأنّه يقول به قبل حصوله. لكنّ أحداثاً مختلفة تشهدها بلادٌ كثيرة في أعوامٍ متتالية، تدفع إلى تناولها سينمائياً.

فيلمان فرنسيان يغوصان في حالتين، تتناقض إحداهما مع الأخرى: "رصاصة طائشة" لغييوم بيارّي، و"بوليس" لآنّ فونتان. الفيلمان حديثا الإنتاج (2020). الأول يُعرض على شاشة المنصّة الأميركية "نتفليكس" منذ 19 يونيو/ حزيران 2020، والثاني معروض للمرّة الأولى دولياً في الدورة الـ70 (20 فبراير/ شباط ـ 1 مارس/ آذار 2020) لـ"مهرجان برلين السينمائي"، على أنْ تبدأ عروضه التجارية الفرنسية في 2 سبتمبر/ أيلول المقبل، إنْ استمرّ فتح الصالات، وخفّ تفشّي وباء "كورونا".

التناقض حاصلٌ في مسألة أساسية: صورة الشرطيّ الفرنسي، المستوحاة من وقائع، أو المقتبسة من حقائق. في "رصاصة طائشة"، تبيانٌ لفسادٍ، معطوفٍ على جرائم قتل (بعضها يحصل خطأ)، يتغلغل داخل فريق لمكافحة تجارة المخدّرات. في "بوليس" (عن رواية بالعنوان نفسه للفرنسي أوغو بوريس، صادرة علم 2016)، يجد 3 شرطيين أنفسهم أمام معضلة أخلاقية: يُكلّفون بمرافقة لاجئ، يُرفض بقاؤه في فرنسا، إلى مدخل الطائرة التي ستُعيده إلى بلده. لكنّ اللاجئ يتمكّن من إخبارهم بأنّ عودته تعني موته. الشرطيّ الفرنسي في الأول سيئ وعنيف وقاتل، مقابل قلّة متمسّكة بمبادئ المهنة وأخلاقياتها. في الثاني، الشرطيّ متعاطف وحنون، رغم أنّ التعاطف والحنان ينبعان، بشكلٍ أو بآخر، من مآزق ذاتية لكلّ واحد من هؤلاء الـ3. أول المتعاطفين مع اللاجئ ستكون فرجيني (فرجيني إيفرا)، أكثرهم قلقاً واضطراباً ذاتيين، بسبب حَمَلٍ يدفعها إلى اتّخاذ قرار الإجهاض. صفقات بيع المخدّرات تدفع الفاسدين إلى القتل. التخبّط النفسي الذاتيّ يُحرّض على فعلٍ إنسانيّ له تكلفة مهنيّة بالتأكيد.

الذاتيّ في "بوليس" نواة الفعل الإيجابي بحق إنسانٍ مُهدَّد بالموت في بلده. في "رصاصة طائشة"، لا وجود للذاتيّ في مسالك الجميع، باستثناء شخصية الميكانيكيّ لينو (ألبان لونوار)، الساعي إلى كشف حقيقة مقتل المحقّق المُشرف عليه لإنقاذ نفسه من تهمة القتل، وهو بريء منها أصلاً. الذاتيّ يحصل في نفوس الفاسدين، لطمعٍ في المال ووفرته، بحججٍ تتشابه في أفلامٍ كثيرة كتلك: الراتب غير كافٍ، ومستقبل الأبناء يحتاج إلى مال وفير. لن يقول فاسدو "رصاصة طائشة" بهذا مباشرة. ضمنياً، وفي تلميحاتٍ بصرية عابرة، يظهر هذا الدافع.



الميكانيكيّ في "رصاصة طائشة" ماهر في تعديل سرعة السيارات. يفشل في سرقة محلّ مجوهرات، فيُلقى القبض عليه. لاحقاً، يُطلب منه تعديل سرعة سيارات الشرطة لمطاردة تجّار مخدّرات. يجد نفسه في ورطة كبيرة، يجهد في الخروج منها. يرتبط بعلاقة مع المحقّقة جوليا (سْتافي سيلما). لكن الأشرار بالمرصاد، وعلى رأسهم المحقّق آريسكي (نيكولا دوفوشال). المطاردات مشوّقة، كالبحث عن أدلّة تفضح المجرمين. هذا غير حاصل في "بوليس"، المائل أكثر إلى النفسيّ والأخلاقيّ. الاضطرابات تُصيب الشرطيين الـ3 لأسباب مختلفة، لكنّ التواطؤ الإنساني يؤدّي إلى محاولة أخيرة للإنقاذ.



يصعب فصل الفيلمين عن أحداثٍ فرنسية متعلّقة بسلوك الشرطة إزاء الناس. السينما تُرافق أحداثاً أو تسبقها أحياناً. هناك عنف ممارَسٌ على الناس، ورجال الشرطة يواجهون تحدّيات جمّة، بعضها منبثقٌ من طريقة تعاطيهم معهم. الشرطة الفرنسية تُشبه الشرطة الأميركية في نواحٍ عدّة: عنف وعنصرية وتَعَالٍ. الفساد حاصلٌ أيضاً. السينما متأتية من وقائع وحقائق، فتقول بعضها علناً. "رصاصة طائشة" يندرج في سياق تعرية أفرادٍ في الشرطة ورجال الأمن والمحقّقين. هذا جزءٌ من فعلٍ سينمائيّ يريد الواقع، ويبحث فيه عن حكايات وتفاصيل تهمّ كثيرين. "بوليس" يذهب في اتّجاه آخر: "تلميع" صورة الشرطيّ، وإظهاره إنساناً يتعاطف مع الآخر، والآخر لاجئ، واللاجئون والمهاجرون في فرنسا كُثر، ومعظمهم يعاني صلف الشرطة وعنصرية أفرادٍ فيها. "البؤساء" (2019) للادج لي، مثلاً، أحدث نموذج سينمائيّ فرنسيّ عن هذا. Antigang لبنجامن روشي (2015، يعرض حالياً على شاشات تلفزيونية مختلفة)، يكشف أخلاقية عالية في ممارسة المحقّقين لمهنتهم، بمطاردتهم "العنيفة" لعصابة تسرق مجوهرات ومصارف. عنفهم ردّ فعل على عنف رجال العصابة، لكنّ أصول المهنة وأخلاقياتها (وإنْ بدرجات متفاوتة) طاغية عليهم أيضاً.

تنويع سينمائيّ فرنسي يجمع تناقضاتٍ، ليقول شيئاً عن علاقة السينما بالواقع والحياة والاجتماع والناس.

المساهمون