الشرطة الدينية بالسعودية: من النفوذ المطلق إلى حرب البقاء

05 نوفمبر 2014
الصورة
"الهيئة" تجد نفسها في موقع الدفاع (فايز نور الدين/Getty)
+ الخط -

لمجرد أن تصبح فكرة إلغاء الشرطة الدينية، فائقة النفوذ، مطروحة في السعودية، فهذا يؤشر إلى تغيير كبير لم يكن ممكناً تصوره قبل سنوات. ولمجرد أن يضطر رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبداللطيف آل الشيخ للخروج بتصريحات صحافية، أمس الثلاثاء، لوسيلة إعلامية محلية، يدعو فيها إلى "عدم الالتفات للأصوات التي تسعى للانتقاص من الدور الذي يقوم به الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر"، ويشدد فيها على أن مَن يدعو هذه الأيام إلى إلغاء جهاز "المطاوعة" "لا يشكلون ولا واحداً بالمليون"، فهذا مؤشر إضافي إلى أن القضية باتت مطروحة، وبقوة، علناً كما في الغرف المغلقة.

ما يزال مناصرو الهيئة يتناقلون تصريح الأمير نايف الشهير عام 2003 وحرفيته أنّ "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائمة ما دام الإسلام قائماً في هذه الأرض"، لكن يبقى السؤال هو الآخر قائماً: إلى أي مدى سيبقى هذا الأمر صحيحاً في حسابات الدولة؟ وخصوصاً أن المنتسبين إلى الجهاز وأنصاره يخوضون ما يشبه الحرب الوجودية مع الإعلام، ويحصل حول دور الهيئة انقسام، ليس فقط في داخل المجتمع، بل داخل الجهاز نفسه أيضاً، من قبيل ما قاله رئيس الهيئة نفسه، الشيخ عبداللطيف آل الشيخ، قبل عامين، وهو ينتقد بعنف أحد منسوبي الهيئة مخاطباً إياه بالقول: "العالم وصل لصناعة الطائرات، ونحن نقول لامرأة اخرجي من السوق لأن في أصابعك مناكير".

عشر ثوانٍ مصورة فقط، كان من شأنها أن تلهب الرأي العام في السعودية قبل نحو شهرين: شاب تبدو على ملامحه سمة "المطاوعة"، ملتحٍ لا يعتمر على رأسه "عقالاً"، يقفز من فوق سيارة مهاجمًا مقيماً أجنبياً (اتضح لاحقاً أنه يحمل الجنسية البريطانية) أمام أحد الأسواق في الرياض، استكمالاً لمشادة بدأت داخل السوق. في المقطع، يصرخ الأجنبي بصوته عالياً: "ابتعد عن زوجتي... كيف تجرؤون؟"، لتتدخل زوجته دفاعاً عنه وتصفع الملتحي على وجهه، ليرد بركلة سريعة على بطنها.

لم تتأخر وسائل الإعلام المحلية في الاتصال مباشرة برئيس الهيئات، الدكتور عبد اللطيف آل الشيخ، وسؤاله عن الحادثة ومحاولة الحصول منه على تصريح، ليؤكد ومن خلال عدة قنوات تلفزيونية، أنه بالفعل وردت أنباء تشتبه في أن الشاب عضو في الهيئة، وجراء ذلك، أصدر أوامره بتشكيل لجنة تحقيق في الحادثة، وفي حال صحتها قال: "سيحاسب على هذا الفعل"، كما أضاف: "وهو بالتأكيد عمل لا يمثل الجهاز ومنسوبيه".

وأصدرت لجنة التحقيق التي تم تشكيلها، بياناً تم نشره في الصحف الرسمية، يمكن تسميته بيان إدانة واعتذار، وخلال أيام قصيرة من إعلان تشكيلها، تمت إدانة عضو الهيئة الشاب والمجموعة التي كانت معه.

إدانةٌ فجّرت مفاجأة جديدة، واجترحت بدورها بُعداً آخر في تداعيات الحادث، إذ بعد أن أدين عضو الهيئة بفعلته، ومعاقبته بالنقل لمدينة أخرى، وكف يده عن العمل ميدانياً، وتحويله إلى العمل الإداري. كانت المفاجأة أنه بالإضافة لإدانة المجموعة بذات العقوبة، تمت إدانتها أيضاً بالتواطؤ على الكذب لتضليل لجنة التحقيق، واعتذر البيان من العائلة المعتدى عليها، ووعدهم بعقوبات على الأعضاء تحفظ لهم حقوقهم، وهو ما حصل.

ما يجري من ردود أفعال لا يمكن وصفها بأقل من "حرب مفتوحة" تدور رحاها حتى اللحظة على وسائل التواصل الاجتماعي في السعودية، تشترك فيها شخصيات ثقافية ودينية مختلفة. ينشر مثلاً الداعية السعودي، محمد العريفي، تغريدة على صفحته الرسمية في تويتر: "جردتُ الصحف ليومين فوجدت واحداً وعشرين مقالاً تنتقد هيئة الأمر بالمعروف، ومقالين حادثةَ تفجير أنابيب نفط في العوامية، هل هم فعلًا وطنيون أم مشكلتهم الإسلام؟"، وهو الأمر الذي استفز الكثيرين، وعدّه بعضهم حكم "تكفير".

وعن هذا يرد الكاتب السعودي، سليمان الضحيان، على تويتر، قائلاً: "يتساءل العريفي عمن ينتقد الهيئة هل مشكلته الإسلام؟ أقول: مشكلتنا التكفير يا قوم".

من جهته، علق إمام الحرم المكي سابقاً، الشيخ عادل الكلباني، على صفحته الرسمية في تويتر، حول الاستجابة الرسمية للحادثة، بقوله: "يا ترى لو كان البريطاني عربياً هل سيكون التعامل معه بنفس السرعة في التحقيق والتنفيذ؟"، الأمر ذاته الذي علق عليه كثيرون وتقاطع فيه كل من مناصري الهيئة ومنتقديها، إذ اعتبروا أن سرعة تشكيل اللجنة الخاصة بالتحقيق في الحادثة، ونشر بيانها الذي تم فيه إعلان إدانة الأعضاء المتورطين، والاعتذار في الوقت نفسه من العائلة المتضررة، لا يعدو عن كونه "محسوبية" من الجهاز، ولا سيما أنه تزامن مع اجتماع السفير البريطاني في الرياض، جون جينكنز، مع وليّ وليّ العهد الأمير مقرن بن عبدالعزيز في جدة بعد الحادثة، وهو اجتماع تم الإعلان عن أنه ناقش ما حصل من اعتداء على المواطن البريطاني.

أحد أعضاء الهيئة المعاقبين صرح لصحيفة محلية، لم تنشر اسمه، متسائلاً: "كيف تشكلت اللجنة في يومين وتأتي القرارات التعسفية سريعاً؟ المفترض أن تكون اللجنة من الإمارة"، مضيفاً: "لن نعمل بالقرار وسنظل بالرياض لحين إنصافنا، وإذا ثبت أننا ارتكبنا خطأ جسيماً يحق لهم التصرف، ونحن في دولة قانون لا تحكمها قرارات فردية"، نافياً في الوقت نفسه أن يكون هو من تمت مشاهدته وقت التصوير، وهو يعتدي على المقيم.

ما يمكن رصده وملاحظته في مجمل ردود الأفعال وتبايناتها، والانقسام الشديد في ما بينها حيال الحادثة، هو أنها تجمع عناصر عدم الرضا تجاه موقف الدولة من جهاز الهيئة، الذي يمثل أهم مظهر من مظاهر "تطبيق الشريعة"، وإن لم يكن هو الوحيد المنوط به التطبيق في المجال العام، وقد تقلص دوره كثيراً عما كان عليه، وحصلت تغييرات كبيرة، إن لم تكن جذرية، في ما يتعلق بدوره ونشاطاته. كما أن تعيين الرئيس الحالي للهيئة عبداللطيف آل الشيخ، ترافق مع دعاية تتحدث عن كونه إصلاحياً، وقادماً ببرنامج يغير كثيراً في سلوك الهيئة ونشاطها، وهو ما جعل الراديكاليين من المتدينين، من مناصري الهيئة، بل ومن أعضائها، يتوجسون منه، وينتقدونه بشكل واضح.

مناصرو الهيئة يرون أنه لا يجب المس بصلاحياتها، وعليه يجب أن تعيد لها الدولة هيبتها، وكما تقول الكاتبة السعودية، ريم آل عاطف، في معرض نقدها لرئيس الهيئات: "الأدهى هي تلك القرارات المتخبطة التي يُفاجئنا بها، صاماً أذنيه عن صوت الشارع والذي يظهر صداه الحقيقي عبر وسائل الإعلام الحديث وأقنية التواصل الاجتماعي، مما يعبر عن مساحة الرفض والاعتراض على موقف آل الشيخ وقراراته، وحجم القلق الذي بدأ يسود المجتمع جرّاء محاولات التضييق والتقييد لرجال الهيئة، وتحجيم دورهم والحد من صلاحياتهم، مما يُخشى معه تراجع هذا الجهاز عن أداء تلك الشعيرة العظيمة المنوطة به".

أما منتقدو جهاز الهيئة فيرون أن ما تقوم به الدولة من إجراءات لتقليص وتحجيم الجهاز والحد من صلاحياته ليس كافياً، والمطلوب هو المزيد من ذلك، الأمر الذي يتجاوزه الكاتب السعودي محمد المحمود، ومن خلال حسابه الشخصي على تويتر، إلى اعتبار أن من يدافع عن هذا الجهاز، وبعد الحادثة خصوصاً، ويتردد في الوقت نفسه في التأكيد على ضرورة إلغائه، ليس إلا: "ناقصاً في إحساسه بإنسانيته وحريته".

من الممكن تعيين نقطة التحول في العلاقة ما بين جهاز الهيئة والسلطة السياسية، في ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، والضغوط الغربية في موضوع المناهج التعليمية ونفوذ وقوة "المطاوعة" في القضاء و"الشرطة الدينية"، والتي صادف أنها حصلت في وقت لم تمضِ فيه إلا أشهر قليلة على صدور صحيفة "الوطن" السعودية، التي ذاع صيتها حينذاك بنقدها اللاذع والشديد لجهاز الهيئة ومنسوبيه، وواجهت جراء ذلك نقداً قاسياً وشديداً من وزير الداخلية السابق، الأمير نايف بن عبدالعزيز، الذي قال في أحد المؤتمرات الصحافية عام 2009، إن "توجه (الوطن) سيّئ، وينشرون أخباراً غير صحيحة، ولا أعرف لماذا، وأرجو أن تغيّر الجريدة هذا التوجه، أما أن تستكتب أصحاب الأهواء الذين يكتبون ضد العقيدة فهو أمر لا يليق بالجريدة، ولا بأي مواطن ولا حتى بكاتب أو محرر".

حصل هذا الانفتاح على نقد جهاز الهيئة بعد عقودٍ طويلة كانت فكرة "محاسبة" منسوبي الجهاز من المحرمات، وكما يقول الشيخ المفتي العام للديار سابقا، محمد بن إبراهيم آل الشيخ، إن "أعضاء الحسبة لا يحاسبون، لأن في ذلك إضعافا لسلطتهم"، بالإضافة إلى جواب الشيخ صالح اللحيدان، رئيس المجلس الأعلى للقضاء سابقاً والذي أعفي من منصبه عام 2009، على سؤال صحافي عن العلاقة بين القضاء ورجال الهيئة: "الحمد لله، ليس هناك تنافر ولا تنافس. الحق يقال إن القضاة أنصار لرجال الحسبة، وإن رجال الهيئات من أحباب القضاة".

أما راهناً، فيبدو أن لا أحد من أعضاء الجهاز بمنأى عن المحاسبة وعن النقد في الإعلام بمختلف أشكاله، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، والتحول الكبير حدث بالانتقال من عهد النفوذ والهيمنة والحصانة في المجال العام، إلى الدفاع والتذمر من الهجوم الكبير على الجهاز ومنسوبيه ونقدهم، وتذكير الدولة دائماً بالمادة الثالثة والعشرين من النظام الأساسي للحكم: "تحمى الدولة عقيدة الإسلام، وتطبق شريعته وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقوم بواجب الدعوة إلى الله". التذكير بهذه المادة وبمواقف لملوك سابقين بخصوص الهيئة، يحاول من خلاله أنصار الهيئة التأكيد على أن الجهاز ليس مجرد جهاز إداري من الممكن التغيير فيه أو حتى إلغاؤه، بل هو جزء مهم من شرعية الدولة.

المساهمون