الشاذُّ لا يُقاس في لغتنا... ولا في حياتنا

20 يوليو 2020

من طريف قواعد اللغة العربية قولهم في الشاذ: "يُحفظ؛ ولكن لا يُقاس عليه".. ودون إغراق في التفاصيل يُفهم منها أن بعض الشواهد التي لم تنسجم مع القواعد الموضوعة لم يستطع المصنّفون إسقاطها لعلوّها، فخربت اطراد القواعد، وشمخت وحدها؛ ولكن لم يسمحوا لغيرها بالخروج عن الخطّ الذي رُسم، ومَن يخرج فهو لحّان خارجيّ مرقَ من النحو.

ومن الطريف كذلك أن هذه القاعدة في الشاذّ تخالف ما اتسق وانتظم من القواعد الثابتة صحيحة في حياة الناس، وكثير ممن يسقطون في مدرسة الحياة فاتتهم هذه القاعدة، فبنَوا على الشاذ دون القاعدة.

فقد انطلقت ثورة شعبية من مساجد سورية في يوم من أيام 2011 دون أي تمويل أو تحريض؛ مهما حاول كثيرون ركوب الثورة وادّعاء غير هذا، فكان دعمُها ابتداءً من الأهالي وبعض التجّار المؤيدين للحراك، ثم فُتحت على الثورة -أكثر مما لها- أبواب الدعم الخارجي، فتعاملَ أكثر المتصدّرين مع الدعم وكأنه في ازدياد وتصاعد على نحو ما بدا للناس ابتداءً، فأنفقوا إنفاق الشيوخ والأمراء، وافتتحوا مشاريع لا تصلح إلا لسنوات؛ وربما لعقود!

وزادوا في إقطاعاتهم وعَددهم وعُددهم، وحيث إن القيادة تحجب عن سماع النصح فقد رمى أكثر المتصدّرين في العمل العسكري والإنساني بنصائح المتبصّرين بالعواقب للتروّي والتفكير بانقطاع الدعم لتوليد مشاريع تنموية تحمل غيرها، فلما توقّف الدعم وطفت على السطح الشروط، أعلن الكثيرون إفلاسهم، وبُددت في الأرض أو العُدد ملايين كثيرة، باتت بعد سنوات أطلالاً يُبكى عليها بكاء الشعراء والندماء!!

وبعد أن انقشع الغبار؛ أو كاد، وانتهى غالب السوريين في حياة تشرّد وتهجير، عادت الحالات الشاذة لتحكم حياتنا؛ ولعل ذلك لخروج ثورتنا على القواعد والمسلَّمات، ولساديّة الذين يواجههم الشعب السوري من الأنظمة التي جمعها رَحِم الاستبداد والفساد.

فليس السوريون أصحاب خيام؛ بل كانت بيوت الشام عامةً مضرب المثل في النظافة والأناقة؛ ولكنه سَوطٌ جلدَ ظهورنا فردّنا في خيام ممزقة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء. ولا هم عالة على غيرهم؛ بل أرباب مصانع وأعمال ومهنٍ في بلد طيب لا يجوع فيه أحد، لكنها حياة الحصار ثم التهجير واللجوء داخل البلد؛ فضلاً عمن هم خارجه! فانتهى أكثر من 3 ملايين سوري لاجئين داخل بلدهم، وشُرد خارجه أضعافهم!

والواقع الشاذ أن هؤلاء الملايين باتوا أهلَ خيام ودون أعمال؛ عدا قليل منهم اصطنعوا لأنفسهم بعض المهَن وهم في الخيام، ولو ببيع ما تيسر لهم على بسطات في الطرقات، وقليلٌ جداً ممن بقي له من محصول عُمره دراهم اشترى أمتاراً ينصب فيها خيمته القماشية أو يرفع بعض اللَّبِنات فيها ليسعد سعادة كبرى أن يستند إلى جدار!!

وهنا نجد الأصل تداخَلَ بالشاذّ؛ فهل المشرَّد في خيمة اللجوء أصلٌ أم شذوذ؟ والعامل على بسطة أو مهنة بالفُتات هو الشاذّ؟!

ولعل الدخول في هذا يورطنا بجدل لا ينتهي في أمر الثورة وابتعاثها، والصواب فيها والخطأ في معركة لا تقف عند حدود السياسة والاجتماع، بل تخترق الحدود إلى الدِّين والفكر؛ ما سيصل إلى جدل فلسفي لا مخرج منه!

وأياً كان الصواب والخطأ يبقى أن علينا، مع امتداد الثورة سنواتٍ لا يُعرف لها بعدُ، أفقٌ يُطلّ منه على الحرية المنشودة؛ يبقى علينا مراجعة ما يجب أن يكون الأصل في حياتنا، وما يكون عارضاً شاذّاً إن حصل ووُجد فيُطوى ولا يُحتجّ به ولا يُقاس عليه؛ كما علّمتنا قواعد اللغة، ففي قواعد المجتمع كذلك.

فلا جدال أن الأصل في الكسب الحلال أنه في مقابل عمل؛ فلا يُركن إلى السلل الغذائية توزّعها منظمات يوماً وتنقطع غداً، ولا يُقبل بحالٍ تكديسها والمقاتلة من أجلها؛ فكيف الاتّجار بها وأخذها لبيع موادها؟!

ألا يكفينا أن نرى الشابَّ مبتورَ الأطراف يتعكّز ليبيع الفواكه، والطفلَ اليتيمَ يبيع المناديل عند الإشارات، وأرملةَ الشهيد تدور على البيوت للعمل والتنظيف، والطفلةَ البريئةَ تترك المدرسة لتُعين أباها المصاب في بيع السُّوس برمضان في أشد الحرّ؛ كسباً للقمةٍ شريفةٍ حلالٍ، فكيف يكون أصحاب الأعذار أولئك خيراً من رجال كثيرين قادرين!

أوَليس شذوذاً، والناسُ يهدّها الجوع والغلاء، أن يرمي سوريون آخرون من الطعام ما يحلم به آخرون يعجزون عن ثمن رغيف الخبز، وأن يقيموا لأبنائهم الحفلات؛ ثم هم لا يستترون بل ينشرون ذلك يتفاخرون؟!

وترى طلاباً ومعلمين وعمّالاً أبطالاً يضربون في المهن عظيمها ومرذولها؛ يرجون لقمةً سائغةً تُقيمهم ومَن يعولون أو يبغون عفافاً بزواج سعيد

فالأصل في الشام مع الشدة والضيق أن نرجع إلى نحو ذكره الطنطاوي في رسائل الإصلاح مما طبّقوه في زمانه باسم مشروع الرغيف؛ وفيه أن كل عائلة تقدر على ثمن خبزها أن تتبرع برغيف (رغيف واحد) لمن يعجز عن ثمنه، فكم من أيتام وأرامل وفقراء يسعدون بمثل هذا؟!

والشذوذ أن يسعد سوريون بتعاسة غيرهم؛ وإلا فكيف تكون أجرة غرفة في المناطق المحررة التي حُشر إليها الناس تعادل أجرة شقة في تركيا، ثم نصرخ بالأتراك واللبنانيين والأردنيين ليرحموا السوريين الضعفاء في الأجور؟! ولو أن مَن اغتصبوا السلطة المدنية فهموا حُكم الشاذ لَدفعوه، وأعادوا -وإن بالقوة التي يأكلون بعضهم بها- إلى جادة الأصل الذي يجب أن يكون الناس عليه.

وترى طلاباً ومعلمين وعمّالاً أبطالاً يضربون في المهن عظيمها ومرذولها؛ يرجون لقمةً سائغةً تُقيمهم ومَن يعولون أو يبغون عفافاً بزواج سعيد، يخرج في وجوههم أناس مرقوا عن الأخلاق. وتجد في الضفة الأخرى شباباً كسالى عاجزين أعجبهم الخمول، بحجة طلب العلم والدعوة؛ كأنما يمنّون على الناس بطلبهم ودعوتهم، ينتظرون الكفالة من هذه الجهة أو تلك ومن فلان أو علان؛ فحياته وزواجه من الكفالات والجُعالات، ولو أنه كُلف بعمل يسير لَحسبه كأنه نقلٌ لجبل من طرف الدنيا إلى الآخر؛ وهذا من الشذوذ الذي لا يليق بالشباب أن يصير إليه!

وكم تسعد بمن يُزوّج الشاب والمصاب والثائر بما تيسّر معه من المهر والأثاث؛ دون تمييعٍ للأمر كما يحدث حتى صار الزواج كأنه مشوار على درّاجة عند بعض المغفلين، وازدحمت البلد بفتياتٍ مطلَّقاتٍ من أعمارٍ لو قُدّر لهنّ الدراسة فيها لَمَا كانت أنهت الثانوية أو الليسانس! ولكن هذا لا يبرّر بحالٍ أن يتعب الشاب الكادح داخل سورية أو خارجها، ثم يُصدم بمَن نظروا في ابنة فلان في تركيا أو ألمانيا أو الخليج فيغلون بالمهر ويشتطّون بالطلبات؛ فهذا كذلك من الشذوذ الذي يجب أن يُترك ولا يُقاس عليه.

وإن كان حمَلَة السلاح في حصانة قوتهم، فلا يُناقش قائد قد يجهل الحروف المتشابهة في راتبه ومصروفاته مقابل عناصر يبتزّهم بخمسين دولاراً لشهرين أو أكثر!! فلعل الكلام في المحسوبين على العمل الإنساني أهون في مثل ذلك وإن كان جرمهم ربما أكبر، حتى صار الواحد يتعب في إقناع معلّم للعودة إلى التدريس بعد أن جرّب المنظمات ورواتبها، ويُرهق مَن يريد الطبيب أو الممرض لأنهم يطلبون أجوراً عاليةً؛ فهذا هو الشذوذ، وأولئك المجاهدون في التعليم والطبابة والإغاثة بالأجور المعقولة هم الأصل؛ على قلّتهم وضعف حالهم!

حينما تضطرب في نفسك أو فيما حولك يختلط عندك الملف وقد أنفقت فيه كل ثمين، وتتداخل الهوامش في المتن والمنقول في التعليقات؛ فإن تعجّلت رميت الملف أو كسرت الجهاز فبدّدت شغلك وأهدرت محصولك، وإن أخذت نفَساً عميقاً وعدت إليه تجدك تعدّل وتصحّح بكل ثقة واطمئنان؛ ولعله يعود أفضل مما كان.

ما أحوجنا -نحن السوريين- إلى تلك الهمّة والأنفاس العميقة في ترتيب حياتنا، سواء مَن في الداخل أو في بلدان الشتات؛ لنعود بالحياة الاجتماعية والعلمية والثقافية إلى قواعدها، فنُقيمها على الأصول التي عهدناها، ونرمي عنّا كل شذوذ، ليرتسم الوجه الصحيح اللائق بثورتنا؛ لأن الشاذَّ -حقّاً- لا يُقاس عليه.