12 ديسمبر 2018
السيسي وصباحي وجهان لحكم العسكر
سيد أمين
كاتب ومحلل سياسي عربي مصري، يؤمن بأنّ العروبة والإسلام وجهان لعملة واحدة. هو أيضا باحث صدرت له دراسات "أمريكا الميكيافيلية" و"رؤى في الوطن والوطنية".. وشاعر صدرت له "أشعار مارقة" و"أشعار جديدة"، وروائي صدرت له "السحت" والمراهن" و"زمن السقوط".
عرف كثيرون، وبكل وضوح، أن عبد الفتاح السيسي وحمدين صباحي وجهان لحكم العسكر في مصر. وقد يتساءل أحدنا أن من البديهي أن يكون السيسي كذلك، وأن خلعه بزته العسكرية لا تعني أنه صار مرشحاً مدنياً، بينما كل أجهزة الدولة، وفي مقدمتها الجيش، يقفان خلفه. وهناك ممن انتخبوه في خارج مصر قالوا إنهم انتخبوا الجيش في صورته. ولكن، ماذا عن حمدين، وهو مدني كان ممن ينتمون للمعارضة؟
يمتلك حمدين مميزات هائلة ترشحه ليرتدى بذلة رئيس جمهورية مصر العربية، ولكن بمواصفات أميركية. أولها أن الأميركيين الذين يعتمدون على التحالف مع العسكر في مصر يحاولون تحسين هذا التحالف، مجاراة للديمقراطية الغربية، بأن يكون رأس النظام مدنياً غير محسوب على العسكر، على أن يكون العسكر الحكام الفعليين. وبتحقيق هذه المعادلة، يكون الأميركيون قد كسبوا الحسنتين، حكم عسكري حقيقي يحقق لهم مصالحهم، وحاكم مدني لزوم التضليل الغربي.
ويشترط في الحاكم المدني الذي يتم الإتيان به، على هذه الأرضية، أن يكون بلا شعبية حقيقية في الشارع، وأن تكون شعبيته مجرد شعبية إعلامية، لا أكثر ولا أقل، ضماناً لعدم خروجه عن إرادة العسكر، احتماءً بشعبيته، كما فعل الدكتور محمد مرسي، ولعل حمدين صباحي يتميز بتلك الميزة، بل ويزيد عليها بأنه صاحب نضال.
فهل يتخيل أحدكم أن يأتي مرشح رئاسي، يقول إنه ناصري النزعة، لينافس مرشحاً آخر، يشبهه أنصاره بأنه ليس ناصرياً فحسب، بل عبد الناصر نفسه، مع أنه لم يذكر عبد الناصر بحرف، ولم يفعل شيئاً مما كان يفعله الرئيس الراحل، إلا عيوبه دون مميزاته، ثم نجد أن كلا منهما، أي هذا الناصري وعبد الناصر الجديد، لا يفوتون فرصة، إلا ويتوعدون بقطع أيدي حركة حماس وأرجلها وألسنتها. ولم ينطق أي منهما بكلمة ضد إسرائيل. بل وجدنا عبد الناصر الجديد الذي كان وزيراً في حكومة يقودها رئيس منتخب، اسمه محمد مرسي، يقول إنه أبلغ الأميركيين في مارس/آذار 2013 أن وقت حكم رئيسه انتهى. بماذا، إذن، نسمّى هذا الأمر؟ أليس عمالة وتخابراً لصالح دولة أجنبية، وخيانة عظمى، وتدبيراً لقلب نظام الحكم؟ أم اإنه أمر يستحق أن نقول لفاعله تسلم الأيادي.
ومن الأشياء التي تلفت الانتباه بشدة في هذا اللاصراع الحميم بين اللامتنافسيْن، السيسي الحاكم الفعلي للبلاد من وجهة نظر كثيرين، ليس منذ انقلاب 3 يوليو 2013، ولا حتى منذ تنحي حسني مبارك في 11 فبراير 2011، ولكن، منذ عيّنه مبارك، لرئاسة جهاز المخابرات الحربية. وبين حمدين صباحي، الناصري الذي يهدد بقطع لسان حماس، ولم نلمح منه أي كلام يفهم منه سعيه إلى الاستقلال الوطني من القوى التي كانت تناصب عبد الناصر العداء، فضلا عن غيبوبة موقفه من القطاع العام والعمال والمزارعين والفقراء.
واللافت أنه ومنافسه يتفننان في استفزاز قطاع ضخم للغاية من الشعب، من معارضي الانقلاب العسكري، أو الرافضين للمسلك الاستبدادي للسلطة العسكرية في ثوبها المدني، وهي السلطة الحاكمة فعلياً، الآن، والتي ستحكم مستقبلاً إن قدر للانقلاب النجاح. وكل منهما يصر على التحدث باسم الشعب والفقراء، مع أن الفقراء هم من يقتلون في الشوارع، من دون مصمصة الشفاه من الكومبارس، أو وخزة خجل عند المشير، فضلاً عن أن كلاً منهما يلبس رداء ناصرياً، أو قومياً، لا يليق به مطلقاً، ولا توجد إمارة واحدة على أحقية ارتدائه له.
دعوني أعود إلى وقائع عايشتها بنفسي، ترتبط بشكل كبير بما يحدث لمصر الآن، فعقب أحداث المقطم التي دبرتها أجهزة الأمن في يناير/كانون أول 2013، أخبرتني زميلة صحفية، متزوجة من شخصية في موقع أمني كبير، أن المخابرات كانت تنوى الانقلاب على الرئيس في تلك الأحداث، لكنها لم تجد الظهير الشعبي. وبعد أقل من شهر، أبلغتني الزميلة أن الانقلاب تحدد موعده في يوليو تموز، وأن مسألة الظهير الشعبي حلت، ولم تمر أسابيع حتى ظهرت حركة "تمرد".
وقبل ذلك، في نوفمبر/تشرين ثاني 2012، اتصل بي شخص، من أقارب حمدين صباحي، الموثوقين جداً، وهو طالب جامعي، لما رآني أدافع بشدة عن المسار الديمقراطي آنذاك، خاف علي من عقبات ذلك، خصوصاً بعد ما سمعه من صباحي في مجلسه الخاص، يقول إن مرسي لن يكمل أشهر في الحكم، وهناك مذابح ستحدث ضده وضد كل من يؤيدونه، بل وسيختفي الإسلاميون نهائياً من المشهد السياسي في مصر. والجيش سيؤسس دولة علمانية كاملة، على غرار علمانية أتاتورك العسكرية في تركيا، وحمدين سيحتل موقعا كبيرا فيها.
هذا قبل الانقلاب بسبعة أشهر، فهل تصدقوني أن حمدين صباحي شريك أساسي في المؤامرة على الديمقراطية في مصر، وقد يكون المقصود بـ"أمير الشعب" الذي راح يعظ أحمد ماهر، مؤسس حركة 6 إبريل، بالمشاركة في المؤامرة على المسار الديمقراطي. ولما رفض، هدده بحظر الحركة تماماً. خيوط المؤامرة تتكشف تدريجياً لدى من يجهلونها، وما كنا نجتهد في محاولة توصيله إلى الناس، والتدليل عليه منذ نحو نصف العام صار الآن أمراً واضحاً، لا يحتاج إلى دليل.
مصر تدخل، الآن، نفقاً مظلماً، ولا يمكن لها أن تخرج منه، إلا إذا وجد بين النخب عقلاء، يسعون إلى نصرة الوطن، ولا يبالون بنصرة أهدافهم ومعاركهم الخاصة. اللهم احفظ مصر.
يمتلك حمدين مميزات هائلة ترشحه ليرتدى بذلة رئيس جمهورية مصر العربية، ولكن بمواصفات أميركية. أولها أن الأميركيين الذين يعتمدون على التحالف مع العسكر في مصر يحاولون تحسين هذا التحالف، مجاراة للديمقراطية الغربية، بأن يكون رأس النظام مدنياً غير محسوب على العسكر، على أن يكون العسكر الحكام الفعليين. وبتحقيق هذه المعادلة، يكون الأميركيون قد كسبوا الحسنتين، حكم عسكري حقيقي يحقق لهم مصالحهم، وحاكم مدني لزوم التضليل الغربي.
ويشترط في الحاكم المدني الذي يتم الإتيان به، على هذه الأرضية، أن يكون بلا شعبية حقيقية في الشارع، وأن تكون شعبيته مجرد شعبية إعلامية، لا أكثر ولا أقل، ضماناً لعدم خروجه عن إرادة العسكر، احتماءً بشعبيته، كما فعل الدكتور محمد مرسي، ولعل حمدين صباحي يتميز بتلك الميزة، بل ويزيد عليها بأنه صاحب نضال.
فهل يتخيل أحدكم أن يأتي مرشح رئاسي، يقول إنه ناصري النزعة، لينافس مرشحاً آخر، يشبهه أنصاره بأنه ليس ناصرياً فحسب، بل عبد الناصر نفسه، مع أنه لم يذكر عبد الناصر بحرف، ولم يفعل شيئاً مما كان يفعله الرئيس الراحل، إلا عيوبه دون مميزاته، ثم نجد أن كلا منهما، أي هذا الناصري وعبد الناصر الجديد، لا يفوتون فرصة، إلا ويتوعدون بقطع أيدي حركة حماس وأرجلها وألسنتها. ولم ينطق أي منهما بكلمة ضد إسرائيل. بل وجدنا عبد الناصر الجديد الذي كان وزيراً في حكومة يقودها رئيس منتخب، اسمه محمد مرسي، يقول إنه أبلغ الأميركيين في مارس/آذار 2013 أن وقت حكم رئيسه انتهى. بماذا، إذن، نسمّى هذا الأمر؟ أليس عمالة وتخابراً لصالح دولة أجنبية، وخيانة عظمى، وتدبيراً لقلب نظام الحكم؟ أم اإنه أمر يستحق أن نقول لفاعله تسلم الأيادي.
ومن الأشياء التي تلفت الانتباه بشدة في هذا اللاصراع الحميم بين اللامتنافسيْن، السيسي الحاكم الفعلي للبلاد من وجهة نظر كثيرين، ليس منذ انقلاب 3 يوليو 2013، ولا حتى منذ تنحي حسني مبارك في 11 فبراير 2011، ولكن، منذ عيّنه مبارك، لرئاسة جهاز المخابرات الحربية. وبين حمدين صباحي، الناصري الذي يهدد بقطع لسان حماس، ولم نلمح منه أي كلام يفهم منه سعيه إلى الاستقلال الوطني من القوى التي كانت تناصب عبد الناصر العداء، فضلا عن غيبوبة موقفه من القطاع العام والعمال والمزارعين والفقراء.
واللافت أنه ومنافسه يتفننان في استفزاز قطاع ضخم للغاية من الشعب، من معارضي الانقلاب العسكري، أو الرافضين للمسلك الاستبدادي للسلطة العسكرية في ثوبها المدني، وهي السلطة الحاكمة فعلياً، الآن، والتي ستحكم مستقبلاً إن قدر للانقلاب النجاح. وكل منهما يصر على التحدث باسم الشعب والفقراء، مع أن الفقراء هم من يقتلون في الشوارع، من دون مصمصة الشفاه من الكومبارس، أو وخزة خجل عند المشير، فضلاً عن أن كلاً منهما يلبس رداء ناصرياً، أو قومياً، لا يليق به مطلقاً، ولا توجد إمارة واحدة على أحقية ارتدائه له.
دعوني أعود إلى وقائع عايشتها بنفسي، ترتبط بشكل كبير بما يحدث لمصر الآن، فعقب أحداث المقطم التي دبرتها أجهزة الأمن في يناير/كانون أول 2013، أخبرتني زميلة صحفية، متزوجة من شخصية في موقع أمني كبير، أن المخابرات كانت تنوى الانقلاب على الرئيس في تلك الأحداث، لكنها لم تجد الظهير الشعبي. وبعد أقل من شهر، أبلغتني الزميلة أن الانقلاب تحدد موعده في يوليو تموز، وأن مسألة الظهير الشعبي حلت، ولم تمر أسابيع حتى ظهرت حركة "تمرد".
وقبل ذلك، في نوفمبر/تشرين ثاني 2012، اتصل بي شخص، من أقارب حمدين صباحي، الموثوقين جداً، وهو طالب جامعي، لما رآني أدافع بشدة عن المسار الديمقراطي آنذاك، خاف علي من عقبات ذلك، خصوصاً بعد ما سمعه من صباحي في مجلسه الخاص، يقول إن مرسي لن يكمل أشهر في الحكم، وهناك مذابح ستحدث ضده وضد كل من يؤيدونه، بل وسيختفي الإسلاميون نهائياً من المشهد السياسي في مصر. والجيش سيؤسس دولة علمانية كاملة، على غرار علمانية أتاتورك العسكرية في تركيا، وحمدين سيحتل موقعا كبيرا فيها.
هذا قبل الانقلاب بسبعة أشهر، فهل تصدقوني أن حمدين صباحي شريك أساسي في المؤامرة على الديمقراطية في مصر، وقد يكون المقصود بـ"أمير الشعب" الذي راح يعظ أحمد ماهر، مؤسس حركة 6 إبريل، بالمشاركة في المؤامرة على المسار الديمقراطي. ولما رفض، هدده بحظر الحركة تماماً. خيوط المؤامرة تتكشف تدريجياً لدى من يجهلونها، وما كنا نجتهد في محاولة توصيله إلى الناس، والتدليل عليه منذ نحو نصف العام صار الآن أمراً واضحاً، لا يحتاج إلى دليل.
مصر تدخل، الآن، نفقاً مظلماً، ولا يمكن لها أن تخرج منه، إلا إذا وجد بين النخب عقلاء، يسعون إلى نصرة الوطن، ولا يبالون بنصرة أهدافهم ومعاركهم الخاصة. اللهم احفظ مصر.
سيد أمين
كاتب ومحلل سياسي عربي مصري، يؤمن بأنّ العروبة والإسلام وجهان لعملة واحدة. هو أيضا باحث صدرت له دراسات "أمريكا الميكيافيلية" و"رؤى في الوطن والوطنية".. وشاعر صدرت له "أشعار مارقة" و"أشعار جديدة"، وروائي صدرت له "السحت" والمراهن" و"زمن السقوط".
سيد أمين
مقالات أخرى
21 ابريل 2016
12 ابريل 2015
04 ابريل 2015