السيسي وزيف الصورة الوردية

السيسي وزيف الصورة الوردية

08 سبتمبر 2016
الصورة

هنود يحتجون في كولكاتا ضد زيارة السيسي بلادهم (1/9/2016/Getty)

+ الخط -
عبّر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في كلمته في زيارته الهند، أخيراً، عن إعجابه بالتجربة الديمقراطية المتميزة، والتي قال إنها تُعد نموذجاً اكتسب سماته وخصوصياته من طبيعة المجتمع الهندي الثرية، ومسيرته التاريخية الممتدة. ويبدو أن هذا الأمر دعاه إلى طلب الاهتمام بتعزيز التعاون البرلماني بين البلدين. وكأنّ السيسي يضع خطّاً فاصلاً يجبُّ ما قبل زيارته إلى واحدةٍ من أعرق الديمقراطيات في العالم، بتأكيده أنّ الأمر يزداد أهميةً إذا علم المضيف المُنتخَب بأمر الشعب أنّ مصر اكتمل فيها البناء الدستوري بتشكيل مجلس النواب.
أما زيارته قبر المهاتما غاندي ووضعه إكليلاً من الزهور عليه، فلا يستقيمان مع التاريخ الدموي للنظام المصري، مقارنة بالمقاومة السلمية التي قادها غاندي. فقد قُتل في عهد السيسي عشرات الآلاف واعتقل الشباب، بالإضافة إلى التنكيل بالصحفيين والإعلاميين الذين يفارق هواهم هوى النظام. وتتفاوت عقوبات هؤلاء بين الاختفاء القسري أو توجيه قضايا سياسية لزجهم في غياهب سجون النظام، ليفعل الجلّاد بهم ما يحلو له.
وبهذا تناقضت صورتا الزائر الحي والمزور الذي لا بد من أنّه تململ في قبره؛ فهما يقفان على طرفي نقيض. انتهج غاندي، وهو صاحب حق؛ طريقاً سلمياً لمقاومة عنف الاستعمار البريطاني لقناعته بأنّ المستعمر، إذا كان متوحشاً، لا تجب منافسته في توحشه، لكي يثبت للعالم أنّ الشعب الهندي صاحب حضارة وسلوكيات أرقى.
أتت الزيارة إلى دول شرق آسيا بصفة الاقتصادية بمسوح سياسي، ففي الهند، ركّزت المباحثات على سُبل تطوير التعاون في مختلف المجالات، والعمل على زيادة التبادل التجاري بين البلدين، وتنويعه، وقد وصل إلى نحو 4 مليارات دولار سنوياً، إلى جانب مناقشة تعزيز الاستثمارات الهندية في مصر، والتباحث حول قضايا إقليمية ودولية. ولم تنس التقارير الرسمية الإشارة إلى المباحثات مع كبار المسؤولين الهنود بشأن سبل تعزيز العلاقات التاريخية بين البلدين وتطويرها على جميع الأصعدة، ثم البحث عن سرّ الخبرة الهندية في تطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحديث قطاع المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات وغيرها من المجالات. ولو اكتفى السيسي بذك لكان مناسباً، لكنه أدخل نفسه في مأزق الشرعية والديمقراطية.
أما مشاركة مصر في مجموعة العشرين في الصين، فلا دخل للشروط المتناقضة التي أخلّت بحفاوة الهند الديمقراطية برئيس انقلابي زائر، فالمجموعة اقتصادية، ولا تخلو من دخول السياسة في أجندتها المطروحة، أو في تقييم عضويتها. ووجود مصر هناك ضيف شرف في القمة، بدعوة من الرئيس الصيني، شي جين بينغ، قد يكون تمهيداً لضم مصر للمجموعة. ولكن، ما لم يُعلن عنه أنّ هناك سباقاً محموماً على كل الصُعد بين الهند والصين الجارتين، المتأرجحة مواقفهما بين خصام ووفاق، للعب دور دولي أكبر في ظلّ أفول القطبية الدولية الواحدة وقصور الظلّ الأميركي.
ومع أنّ الغلبة للصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، والمرشحة لتحتل الموقع الأول بحلول عام 2025، إلّا أنّ الهند تدخل منافساً تحاول مصر استعادة ثقته، ومستثمراً له وزنه، بعد تعثّر مستثمرين هنود قدموا إلى مصر في التسعينيات، ولم يفلحوا في تحقيق النتائج المرجوة. ووصل الأمر إلى رفع قضية شركة هندية كبرى لصناعة النسيج للتحكيم الدولي، شاكية الحكومة المصرية.
ليس بإمكان الدولتين تجاهل مصر بلداً له ثقله في المنطقة، خصوصاً أنّ الصين تخطّط لإحياء
طريق الحرير الذي تُعتبر قناة السويس رابطاً أساسياً ومهماً بين الطريق البري الذي يمرّ عبره من آسيا والشام إلى أوروبا والطريق البحري من جنوب الصين والمحيط الهندي والخليج العربي وبحر العرب ثم البحر الأحمر ليمرّ أيضاً عبر قناة السويس إلى أوروبا أيضاً.
تحتاج حالة الاقتصاد المصري إلى إنعاش أكبر، قد يكون الاهتمام بالداخل الحل الأكيد والناجح، لكن الرئيس السيسي فضّل الحديث الإنشائي، كما جاء في بيان رئاسته، بتركيزه على تعزيز الجهود الدولية لتيسير اندماج الدول النامية في الاقتصاد العالمي، وإتاحة المجال للاستفادة مما يوفره من فرص ومزايا، بما يساهم في تحقيق نمو اقتصادي دولي مستدام، وضرورة تقديم المساندة الفعالة لهذه الدول في سعيها إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، بما في ذلك تيسير نقل التكنولوجيا للدول النامية، ودفع حركة الاستثمار الأجنبي إليها. ولم يتجاوز التوصية بضرورة التزام الدول المتقدمة بتعهداتها في إطار اتفاقية باريس لتغيّر المناخ، وتمكين الدول النامية من زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.
يُمكن أن يستمع أعضاء مجموعة العشرين، بما فيهم الصين مضيفة القمة، لعذب الكلام هذا. لكن الأخبار في الوكالات لن تفوّت عليهم مشاهدة الصورة غير الوردية، المنعكسة عن مصر السيسي، والتي شهدت مظاهرات الأمهات في شوارعها، طلباً للحليب المدعوم لإطعام أطفالهن الرضع، والذي رفعت الدولة الدعم عنه للمرة الأولى. والواقع المرّ أيضاً أنّه بينما كانت الدولة تدعم هذا الحليب بنحو نصف مليار جنيه مصري سنوياً، وتستورده من سويسرا وفرنسا، دخل الجيش المصري في غير تخصصه، باستيراده كمية منه لبيعها في صيدلياتٍ محدّدة، وبأكثر من سعرها المدعوم ستِ مرات.
واضحٌ أنّ الدعم والتأييد الذي يستجديه السيسي في رحلاته يأتي كقول غاندي الأثير: لا يصبح الخطأ على وجه حق بسبب تضاعف الانتشار، ولا تصبح الحقيقة خطأ لأنّ لا أحد يراها.