السيسي والقفز إلى 2060

11 مارس 2019
الصورة
السيسي يتحدث عن صندوق لمعالجة أزمات 2060 (فرانس برس)
+ الخط -
عندما تواجه دولة ما أزمة اقتصادية أو مالية أو معيشية تتعلق بالمواطن، فإن أول ما تفعله حكومتها هو معالجة المشاكل الطارئة أو قصيرة الأجل أو الملحة التي تهم رجل الشارع والراي العام.

والأزمات الطارئة كثيرة منها مثلاً حدوث ارتفاع في أسعار السلع والخدمات، احتكار سلع ضرورية من قبل تجار وموردين، اختفاء سلع رئيسية سواء كانت متعلقة بالمواطن كالسلع الغذائية، أو متعلقة بالاقتصاد وقطاع الصناعة مثل المواد الخام والسلع الوسيطة، انقطاع في المياه والكهرباء، تلوث في مياه الشرب، انسداد في شبكات الصرف الصحي، نقص أدوية ضرورية، خاصة للأمراض المزمنة، عدم وجود أسرة للمرضى في المستشفيات ودور الرعاية الصحية، زحام وطوابير للمرضي أمام وحدات الرعاية الحرجة، مشاكل في شبكات النقل والمواصلات خاصة القطارات.

ومن بين الأزمات الطارئة والملحة أيضاً عدم وجود أماكن كافية للطلبة في المدارس والمعاهد والجامعات، نقص في المساحات الزراعية بشكل يهدد الأمن الغذائي للدولة، اختناقات شديدة في المرور، مشاكل في البنية التحتية تؤثر سلبا على حركة المواطن والاقتصاد والتجارة الداخلية، وكذا على حركة البضائع المتجهة للموانئ والمطارات، مصانع مغلقة بالمئات وربما بالآلاف تقذف بآلاف العمال في الشارع، زحام وفساد وبيروقراطية في المصالح الحكومية، تفاقم مشكلة الرشى في المرور وغيرها.

هنا يجب على الحكومة أن تعالج وعلى الفور الأزمات الملحة قصيرة الأجل التي تنغص حياة المواطن وتجعله تعيسا في حياته، ثم بعد ذلك تنتقل لمعالجة الأزمات متوسطة الأجل خاصة تلك التي تؤثر سلباً على حياة الناس وتنافسية الاقتصاد.

من بين الأزمات متوسطة الأجل مثلا عجز الموازنة العامة، زيادة الضرائب والرسوم مقابل خدمات أقل للمواطن، ضغوط مستمرة على العملة بسبب نقص في الإيرادات من النقد الأجنبي أو بسبب زيادة الواردات، ضخامة في الاقتراض الخارجي لا تتناسب مع إمكانيات الدولة، خاصة المخصصة لسداد القروض قصيرة الأجل.
مشاكل في قطاع الصناعة الذي يعد عصب أي اقتصاد لأنه يساهم بجزء مهم في امتصاص البطالة وتوفير فرص عمل للشباب وتوليد إيرادات دولارية، مشاكل في قطاع التصدير الحيوي، تفاقم أزمة البطالة وقلة فرص العمل خاصة للشباب، الفساد الإداري وغيرها.

وبعد ذلك وعقب الانتهاء من التغلب على المشاكل الطارئة ومتوسطة الأجل وتوفير الرفاه الاجتماعي للمواطن من فرص عمل ورعاية صحية ونقل ودخل مناسب يتيح له تغطية نفقات المعيشة والتعليم والصحة وربما الذهاب إلى دور السينما والترفيه، هنا تنتقل الحكومات إلى ملف المشاكل طويلة الأجل التي تبدأ من 10 سنوات وربما 30 أو 50 سنة.

الدول الثماني الصناعية الكبرى مثلا تضع خططا طويلة الأجل للتعامل مع التحديات المستقبلية ومن أبرزها نقص الطاقة ونضوب النفط والزيادة السكانية وتأثير التطور التكنولوجي على فرص العمل وجديد عصر الفضاء والأقمار الصناعية، وحتى دفن الموتى فوق سطح القمر، هذا عن الدول التي حققت الرفاه لمواطنيها الذين قد ينتحر بعضهم بسبب توافر الرفاهية المفرطة والغنى الفاحش وعدم وجود مشاكل معيشية تشغل حياتهم.

هذا هو التسلسل الطبيعي لمعالجة الحكومات للأزمات التي تواجهها وتمثل تحديا بالنسبة لها، أما أن يقفز بنا السيسي مرة واحدة إلى العام 2060 ويتحدث عن تأسيس صندوق للتعامل مع أزمة ستحدث بعد 41 عاما، فهذا ما لا يستوعبه عقل ولا منطق، ولا يستسيغه مواطن يئن تحت الغلاء والفقر والبطالة وأزمات معيشية متواصلة.

وبغض النظر عن أن السيسي لم يوضح ما هي المشكلة التي ستواجه مصر في هذا العام بالذات، فإن هناك أولويات واحتياجات ملحة ينتظر المصريون تلبيتها، أولويات تتعلق بالخدمات الضرورية من سلع وسكن وتعليم ورعاية صحية ووسائل نقل تناسب الدخول المحدودة التي تتآكل يوما بعد يوم بسبب قفزات الأسعار وزيادة معدل التضخم وتراجع قيمة عملتهم أمام العملات الرئيسية.
وقبل أن نترك أحفادنا وأولادنا للضياع، كما قال السيسي في كلمته أمس الأحد خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة، بمناسبة يوم الشهيد، فإن المواطن "الحي" أولى بالرعاية.

لقد طلب السيسي من المصريين منحه مهلة مدتها 6 شهور لمعالجة الأزمات المعيشية، وأمتدت الفترة بعد ذلك إلى عامين، والآن يقفز بهم إلى العام 2060 مرة واحدة.

المساهمون