السيسي والغرب... التعويل على دونالد ترامب رئيساً؟

السيسي والغرب... التعويل على دونالد ترامب رئيساً؟

03 يوليو 2016
الصورة
لم يدعُ كيري في زيارته، أخيراً، السيسي لزيارة واشنطن(Getty)
+ الخط -
لم يكن الرئيس المصري الحالي، عبدالفتاح السيسي، منذ قيادته الانقلاب العسكري، زعيماً مفضّلاً لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، أو لقيادات الحزب الديمقراطي بصفة عامة. ولعلّ أبرز دليل على ذلك عدم دعوته لزيارة واشنطن على الرغم من زيارته لجميع العواصم الأوروبية، واستقباله وزيرَي الخارجية هيلاري كلينتون، وجون كيري، أكثر من مرة.

ويسدّد السيسي بذلك أكثر من فاتورة، إذ لم تكن واشنطن مرحّبة بالطريقة التي وصل بها إلى الحكم. كما أبدى مسؤولون أميركيون غضبهم مما تم ترويجه في الإعلام المصري عن مساندة واشنطن لجماعة "الإخوان المسلمين"، والشائعات المثيرة للسخرية التي ردّدتها أذرع السيسي الإعلامية عن أسر الجيش المصري لقائد الأسطول السادس، وطرد السفير الأميركي من مكتب مسؤول مصري، وهو ما رآه الأميركيون صلافة مصرية غير مبررة في توقيت حساس سياسياً.

بذل السيسي جهداً كبيراً للعودة، فاستأجر شركة دعاية وعلاقات عامة أميركية للترويج لنفسه خلال زيارته الأولى إلى نيويورك، لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقامت هذه الشركة بتنظيم لقاء له مع هيلاري كلينتون وزوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون، إذ لم يستطع السيسي خلاله تقديم نفسه بالشكل المطلوب، وكانت النتيجة استمرار الجفاء بين القاهرة وواشنطن على الرغم من الأموال الطائلة التي دفعتها مصر لتحسين صورتها الإعلامية واجتذاب وفود برلمانية لمصر.

تحسّنت الأوضاع نسبياً مع مرور الوقت واقتناع الأميركيين بضرورة مساعدة مصر ضد خطر الإرهاب مع استمرار العمليات العسكرية ضد تنظيم ولاية سيناء. فتمّ رفع الحظر الجزئي الخاص بتوريد الأسلحة الأميركية وقطع غيارها إلى مصر حتى تم، أخيراً، توريد أسراب من المدرعات المضادة للألغام، وقطع إضافية من مروحيات الأباتشي. كما تم الاتفاق مبدئياً على صفقة بيع صواريخ هاربون 2 إلى مصر بقيمة 143 مليون دولار.

وتعتبر هذه الصفقات إحدى الإيجابيات التي جناها السيسي من طول فترة حربه المعلنة وغير واضحة الأمد ضد "الإرهاب"، ونجاح التنظيمات المسلحة، بين الحين والآخر، في توجيه ضربات موجعة للجيش المصري. وشهد الشهران الأخيران تطورات مفاجئة في العلاقات بين الجانبين، بالتوازي مع البرودة التي ضربت العلاقة مع روسيا، إذ زار كيري مصر مرتين. وبعد الزيارة الأخيرة ظهر أكثر مرونة تجاه مطالبات السيسي برفع حظر توريد الأسلحة عن الجيش الليبي الذي يقوده حليف السيسي، اللواء المتقاعد خليفة حفتر. فبعد رفض أميركي أوروبي طويل لفكرة رفع الحظر، تحدث كيري في وجود نظيره الإيطالي باولو جينتيلوني عن إمكانية "السماح ببعض الإعفاءات".


وترى مصادر دبلوماسية مصرية أن "مثل هذه التحركات الأميركية تُشعر السيسي بأهميته الإقليمية، تماماً كالترحيب الأميركي الأخير بدعوته لاستئناف مفاوضات السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، وإعلانه الاستعداد لتبني مفاوضات مصالحة فلسطينية، على الرغم من أن واشنطن مشغولة أكثر بليبيا وسورية. لكن الأمر قد تظهر له ظلال في الفترة المقبلة بتحركات مصرية ـ إسرائيلية برعاية أميركية مباشرة"، مشيرة إلى أن "كيري خلال زيارته الأخيرة لمصر لم يتحدث طويلاً عن دعوة السيسي غير أنه أبدى ترحيبه الأكيد بها".

ونظراً للخلافات بين السيسي وإدارة أوباما حول ملفات حقوق الإنسان والأمن، خصوصاً بعد مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، وإعادة فتح قضية التمويل الأجنبي (ومن ضمنه التمويل الأميركي) للمنظمات الحقوقية المصرية، فإن السيسي يراهن على تحسن أكبر في العلاقات إذا استطاع المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية دونالد ترامب الفوز على المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.

وكشفت الزيارات السابقة لوفود الكونغرس الأميركي إلى مصر إبداء الأعضاء الجمهوريين مرونة أكبر مع سياسات السيسي الداخلية وتفهماً لها، باعتبارها موجّهة للحفاظ على كيان الدولة ضد التيارات الإسلامية والجماعات الإرهابية، وهو ما يجعل الأوساط الرسمية المصرية مؤيدة لترامب على الرغم من مشاكله الواضحة مع الأقليات الدينية والإثنية في الولايات المتحدة.

أوروبياً، وخلال جلسة مجلس الشيوخ الإيطالي، الأربعاء الماضي، عارض ممثلو الأحزاب اليمينية "تعديل ريجيني" الذي وافقت عليه الأغلبية لفرض عقوبة مبدئية على مصر بمنع توريد قطع غيار طائرات "أف ـ 16" لها، على خلفية عدم تعاونها مع السلطات الإيطالية لكشف غموض حادث مقتل الشاب الإيطالي جوليو ريجيني بالقاهرة في فبراير/ شباط الماضي. وقال ممثلو الأحزاب اليمينية إنه "يجب تذكر أن الأمر يتعلق بحليف إقليمي ضد الإرهاب المحتمل". هذه العبارة تلخص بوضوح الخطاب الذي اعتمده السيسي لتسويق نفسه أوروبياً. فقد راهن الرئيس المصري منذ صعوده للسلطة على استمرار تخويف الأوروبيين من أخطار الإرهاب الإسلامي الآتي من جنوب المتوسط، وتخويف الأوروبيين من أخطار تدفق المهاجرين غير الشرعيين الآتين من سورية، وليبيا، ومصر.

حاول السيسي تصوير نفسه للفرنسيين والإيطاليين والألمان، في البداية، كشرطي حليف يقف على ساحل المتوسط لحماية الأوروبيين من جحافل المهاجرين والإرهابيين، وهو ما كان يجد صدى في الإعلام والدوائر السياسية اليمينية في أوروبا. والنموذج الصارخ لهذا التأثير، هو رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي تمتاز علاقته بالسيسي بالتفاهم الكبير، وكذلك الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسياديس، وكلاهما معروف بالعداء للأجانب والتيارات الإسلامية، خصوصاً.





وبالتوازي مع خطاب التخويف والتلويح بأن أي تغيرات سياسية جديدة في مصر ستعني انهيار الدولة وتحوُّل مصر إلى كيان فاشل مثل سورية وليبيا، بدأ السيسي يفتح سبلاً جديدة لجذب العواصم الأوروبية بإفادتها اقتصادياً، فحوّل مصر إلى سوق خصبة للأسلحة الفرنسية التي كانت تعاني ركوداً في السنوات الأخيرة. وقدم تسهيلات استثمارية غير مسبوقة للألمان والهولنديين الذين عانوا كثيراً من المشاكل في مصر على مدار العقد الماضي. وقدّم تعاوناً استخباراتياً وأمنياً لإيطاليا في الملف الليبي المهم بالنسبة لها.

غير أن هذه السلسلة المتواصلة من محاولات ترغيب أوروبا في مصر تعطّلت في بريطانيا التي كانت زيارة السيسي إليها هي الأكثر فشلاً، وكشفت خلافات واسعة في الرؤية والسياسات بين الجانبين، ولم يستطع السيسي إقناع لندن بسياساته القائمة على استبعاد المعارضين، وخصوصاً الإسلاميين، والتنكيل بالتيارات والرموز المشاركة في إزاحة الرئيس المخلوع حسني مبارك عام 2011.

ويرى مراقبون أن خطاب السيسي الموجّه لأوروبا والقائم على التخويف من الإرهاب، والهجرة، وانهيار الدولة، وعلى جذب الاستثمارات، وفتح أسواق للدول الأوروبية في مصر، متنافر ومتناقض، إذ يؤدي القسم الأول من الخطاب إلى تراجع حماس رجال الأعمال للقسم الثاني منه، خصوصاً أن السيسي لا يملّ من تكرار تحذير الأوروبيين من مغبة سقوط نظامه، ما يعكس صورة "أشباه دولة قابلة للتمزق، ولا يمكن الوثوق بفرص الاستثمار فيها"، على حدّ تعبير هؤلاء.

ومثّلت واقعة مقتل ريجيني بالقاهرة نقطة تحوّل في العلاقات بين السيسي وأوروبا، إذ بات الأوروبيون المعتدلون يتعاملون معه بمزيد من الحذر. من ناحية، خسر السيسي المشاريع الاقتصادية الواعدة التي كانت في طور التدشين بالشراكة مع إيطاليا تحديداً. ومن ناحية أخرى، بدأ الفرنسيون والألمان يطرحون أسئلة لاذعة عن مستقبل الملف الحقوقي والأمني في مصر، ارتباطاً بمصالح مواطنيهم المقيمين في مصر ومنظماتهم العاملة بها. كما جاءت توصية البرلمان الأوروبي لتخفيض الدعم العسكري والسياسي لنظام السيسي كبداية لتحرك أوسع يتخذ أشكالاً عديدة، من بينها تشكيل لجنة أوروبية لتقصي الحقائق حول مقتل ريجيني.

ويمكن القول إن حادث مقتل ريجيني وما تلاه من تقاعس مصري عن تقديم الفاعلين الأصليين، وجهود محمومة للشرطة المصرية في تصوير سيناريوهات مضللة، بحسب وصف نيابة روما، للواقعة، أفقدت السيسي جزءاً معتبراً من رصيده الذي حققه خلال العامين الماضيين في العواصم الأوروبية من خلال التسويق الاقتصادي والاستثماري.



المساهمون