السيسي والبرادعي وشجرة الدُّر

السيسي والبرادعي وشجرة الدُّر

15 ديسمبر 2014

يحدث هذا كله، مثل حرب دُمى

+ الخط -

انتشر، على نطاقٍ واسع، تصريح لنشطاء مصريين يفيد بأنّ "التضييق الممنهج يهدّد بقاء السيسي". لا تعدو أن تكون هذه الفرضية تحصيل حاصل، خصوصاً بالركون إلى التاريخ القريب، استشهاداً بثورة 25 يناير وثورات الربيع العربي عموماً. أمّا إذا أخذنا الاستشهاد بالتاريخ، على علّاته، فسنجد أنّ الرؤساء العرب الذين انتفضت عليهم شعوبهم كانوا قد حكموا ثلاثين وأربعين عاماً حسوماً، يمارسون التضييق والترهيب. وفي واقع الأمر، التاريخ لا يُعتبر به في كل الحالات وصفات جاهزة على الرغم من تكراره. إذن، ليست المشكلة في قصص وعبر، قد تنجح في حالات، مثل تونس ومصر وليبيا واليمن، على الرغم من تذبذب هذا النجاح ونكوصه على أعقابه، ورغماً عن ثمنه المدفوع أرواحاً ودماء. ولا تؤخذ الحكمة كذلك من فشل الحراك الديمقراطي في حالات أخرى، مثل سورية التي توالدت ثورتها إلى ثورات، تأبى على الرغم من القمع بالحرب من أن تموت. ولا هي صالحةٌ للاقتداء بها، قصة الاحتجاجات المحدودة في السودان التي لم ينتج عنها إلّا مزيد من التضييق، وحجر أكبر للحريات. إنّما المشكلة الحقيقية في مقدار الوعي الديمقراطي عند الشعوب العربية، والذي يتفاوت من دولة إلى أخرى، حسب ارتباطه بمقومات نشأته وظهوره وتفعيله.

وأحد النشطاء الذي يلعب على سيرك منفرد، هو الفنان خالد أبو النجا، السينمائي في الثوب الأممي والمؤيد لمحمد البرادعي. عبّر عن تبرّمه وضيقه من طول انتظاره في أن يأتي الحل الشامل للأزمة المصرية من أي جهة كانت، وإزاء صبره الجميل، لم يظهر الفرج، ولم تلح في الأفق أية بادرة أمل في التغيير المنشود الذي ظلّ ينتظره. ووصل خالد إلى نتيجة مفادها بأنّ الرئيس عبد الفتاح السيسي يسعى إلى تكميم الأفواه، ولا يقبل الرأي الآخر، كما يسعى إلى إحكام قبضته الأمنية على البلاد، على حساب حقوق الإنسان، وبعد أن وصفه بالفاشي، أكدّ أنّ استمرار فشله قد يؤدي إلى إسقاطه. ثم دعا السيسي للرحيل، في حال عدم تمكّنه من القيام بواجباته في حفظ الأمن. وفي رأيه أيضاً أنّ هذا هو السبب الذي جعل الشعب المصري لا يتفاعل مع الحكومة لنبذ المعارضة، كما جعل الشعب نفسه لا يستجيب لدعوات المعارضة بالخروج على الحكومة.

نال خالد أبو النجا، سفير النيات الحسنة، نصيباً مقدّراً من الاستياء العام الموجّه ضد محمد البرادعي، ليس بسبب تأييده له فحسب، وإنّما بسبب تبني توجهاته وملازمته له، إلى درجة اعتباره طوق النجاة لمصر. وهذه المشاعر السالبة تجاه البرادعي، على الرغم من إعلائه الشعارات الديمقراطية، وتصنيفه شخصية أممية، نال جائزة نوبل للسلام، إلّا أنّ الانطباع العام نحوه أنّه شخصية وصولية، يدعو إلى ديمقراطية نخبوية، تتعالى على احتياجات الناس الأساسية للعيش والحرية، إلى أخرى مخملية، تعبّد الطريق إلى كرسي الحكم بالأوصاف والألقاب.

عاد البرادعي إلى مصر عام 2010، بعد أن أينعت ثمار الثورة، وكان يودّ قطافها بما اعتزم تحقيقه من إصلاحات سياسية وإعادة الديمقراطية. ولمّا لم يجد نفسه في الحكومة المنتخبة، ألقى بسهمه في الانقلاب عليها. عيّنه الرئيس المؤقت، عدلي منصور، في 9 يوليو/ تموز 2013، نائباً لرئيس الجمهورية للعلاقات الخارجية، لكنه استقال في 14 أغسطس/ آب، وحجته المعلنة الاحتجاج على فضّ اعتصامات مؤيدي الرئيس المنتخب، محمد مرسي، بالقوة. ولكن تأييد البرادعي المسبق انقلاب 3 يوليو، وحقيقة أنّه كان أبرز المرشحين لتولي منصب رئيس الوزراء مكافأة له على تأييده، بعد أن تبدّد حلمه في رئاسة الجمهورية، أظهر الطوية البشرية التي لم تكن خافية، ولكن تم تزويقها بكاريزما الرجل المتوَهَّمة.

وبعد رؤيته المتأخرة في محاضرته، أخيراً، في نيويورك: "أنّ مصر تغرق"، يأتي البرادعي بفكرة أنّه يمكن الحصول على دستور بنكهة دينية، وآخر بنكهة عسكرية. وهذه قناعة غريبة، تقف مسوّغاً أخلاقياً يتدثّر بثياب الديمقراطية، لتأييد نظام متسلّط يفتقد إلى الشرعية.

أما دون كيشوت الآخر المواجه لشخصية خالد أبو النجا، فهو محامٍ مصري، سارع إلى رفع دعوى تتهمه بالخيانة العظمى، ما استدعى تأييد نجوم وفنانين لأبي النجا، مطالبين بمعاقبة المحامي. فالقضية التي حرّكها المحامي، نيابة عن الرئيس السيسي، تتضمن اتهام أبو النجا بالخيانة العظمى وبأنّه مؤيد للبرادعي. وحسب تعبير المحامي، البرادعي انكشف القناع عن وجهه، بأنّه ممّن يحاربون مصر من الخارج، لأنّه لا يجرؤ على الدخول إلى مصر، وإلّا سيكون مصيره مثل مصير شجرة الدرّ.

يحدث هذا كله، مثل حرب دُمى، يقف أبطالها الرئيسيون في الظل، وسط ذهول الشعب المصري. كانت الديمقراطية بعيدة المنال عن الشعب المصري من الطبقة المتوسطة، في معناها النخبوي، والذي رجع في قالب البرادعي، ومعينه خالد أبو النجا. ولعلّ هؤلاء لم يدركوا أنّ ثورة 25 يناير خالفت تصنيفات الديمقراطية الكلاسيكية، وتخطّت الأُطر التقليدية، فانطلقت بتوصيفاتها الشعبية، من دون رداء مبهرج وزخارف ثقيلة.

8615DCBC-E386-43F8-B75E-8FF0C27360A3
منى عبد الفتاح

كاتبة صحفية من السودان. حاصلة على الماجستير في العلوم السياسية. نالت دورات في الصحافة والإعلام من مراكز عربية وعالمية متخصصة. عملت في عدة صحف عربية. حائزة على جائزة الاتحاد الدولي للصحفيين عام 2010، وجائزة العنقاء للمرأة المتميزة عام 2014.