السيسي واستراتيجية ترامب

30 سبتمبر 2018
الصورة

ترامب والسيسي في نيويورك.. لقاء خامس (24/9/2018/فرانس برس)

+ الخط -
التقى رئيس الولايات المتحدة الأميركية، دونالد ترامب، مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، خمس مرات. وبعد لقائهما أخيراً في 24 من سبتمبر/ أيلول الحالي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، خرج ترامب كعادته، بعد لقاء مع السيسي، مؤكّداً على دعمه الكامل الرئيس المصري ونظامه، وعلى قوة العلاقة بين البلدين.
تكرار لقاءات ترامب والسيسي، وما يليها من دعم كبير للأخير، يطرح سؤالاً بشأن طبيعة العلاقة بين الطرفين، والفوائد التي تعود عليهما، وخصوصاً الأميركي؟ باختصار، ما الذي يعود على أميركا بالتحديد من لقاء ترامب بالرئيس المصري خمس مرات في أقل من عامين، والإشادة بالعلاقة معه بهذا الشكل؟
وللتذكير، سارت لقاءات ترامب بالسيسي الخمسة السابقة على وتيرة واحدة تقريباً، فبعد كل اجتماع خرج ترامب على الإعلام بمزيد من الإطراء والإشادة بالسيسي ونظامه، وما يقوم به من عمل في مصر، وبالتأكيد على دعمه له. وذلك من دون التطرّق كثيراً لتفاصيل العلاقة بين البلدين، حيث فضل ترامب دوماً التركيز على الإشادة بشخصية السيسي، ودوره في محاربة "الإرهاب"، وتحقيق الاستقرار في مصر، وكذلك بالعلاقات العسكرية بين مصر وأميركا. ويدفع هذا الغموض في المواقف المعلنة إلى التدقيق في تفاصيل تطور العلاقة بين البلدين خلال العامين الماضيين، لعلنا نفهم أسباب المديح الأميركي وتبعاتها. ويلاحظ هنا، وبلغة الأرقام، استمرار تراجع المساعدات الأميركية الاقتصادية لمصر مع الحفاظ على المساعدات العسكرية كما هي. فمنذ عام 1998، والمساعدات الاقتصادية الأميركية لمصر تتراجع، حيث انخفضت من حوالي 830 مليون دولار سنوياً في أواخر التسعينيات إلى أقل من 150 مليون دولار 
في نهاية ولاية الرئيس السابق، باراك أوباما. ومنذ تولي ترامب الحكم، وهو يريد تخفيض تلك المساعدات إلى حوالي 75 مليون دولار سنوياً، كما يظهر في مشاريع الموازنة الأميركية.
أما المساعدات العسكرية السنوية (حوالي 1.3 بليون دولار) فثابتة. وهي تقدم ضمن تفاهمات اتفاقية كامب دايفيد، والتي أنهت الحروب بين مصر وإسرائيل، وحوّلت الجيش المصري حليفاً للولايات المتحدة، على أن يقوم الجيش المصري بتحويل سلاحه من سوفياتي إلى أميركي، ويحصل، في المقابل، على دعم سنوي من واشنطن، وهو الدعم الذي حافظت عليه أميركا بشكل مستمر، فيما عدا إجراء تعديلين مهمين عليه أخيراً.
ففي أواخر عهده أدخل أوباما تعديلين على سبل تقديم المعونة الأميركية لمصر وإنفاقها، ويتعلق الأول بسبل الإنفاق. في الماضي، كان يسمح لمصر بشراء الأسلحة التي تريدها، بغض النظر عن طبيعتها. وهو ما سمح لمصر بشراء أسراب من طائرات إف 16 وأباتشي ودبابات الإبرامز. أما حالياً فباتت أوجه إنفاق المعونة الأميركية محدّدة بقضايا محدّدة، تريد أميركا من الجيش المصري التركيز عليها، مثل محاربة الإرهاب وحماية الحدود البرية والبحرية. ويرتبط التعديل الثاني بتسهيلات ائتمانية لشراء الأسلحة، كانت تسمح لمصر بشراء صفقات ضخمة وباهظة الثمن، في مقابل خط ائتمان بضمان المعونة الأميركية المتدفقة سنوياً. وهو تقليد انتهى في عهد أوباما أيضاً. وتأمل مصر من ترامب أن يعيد خط الائتمان، وأن يحرّر أوجه إنفاق المعونة. وهو ما لم يحدث. بل حجزت إدارة ترامب في العام الماضي 195 مليون دولار من مخصصات المعونة العسكرية لمصر بسبب شكاوى ترتبط بعلاقة مصر بكوريا الشمالية، وتضييقها على عمل منظمات المجتمع المدني.
وتفيد الحقائق السابقة بأن العلاقات الدافئة بين ترامب ونظام السيسي لم تَعد بدعم مادي كثير، سواء الاقتصادي أو العسكري على مصر، فالمساعدات الاقتصادية في تراجع، ووصلت إلى معدّلات منخفضة تاريخياً، وتكاد تكون حالياً بلا قيمة تذكر، أما المساعدات العسكرية فثابتة. وهي تقدم وفقاً لاتفاقات كامب دايفيد. وتعرّضت لقيود في أواخر عهد أوباما، لم يلغها ترامب. وهو ما يضفي مزيداً من الغموض على العلاقة بين ترامب والسيسي وفوائدها للطرفين. وهنا يجب الإشارة إلى عاملين أساسيين، يمكن القول إنهما يفسران سريان الدفء الراهن.
أولاً: هناك شبه إجماع في واشنطن على دعم نظام السيسي، وهو إجماع يسبق حكم ترامب، ويعود إلى أواخر حكم أوباما، والذي لم يفعل الكثير لإيقاف عجلة الانقلاب العسكري في 2013، أو لإعادة الحكم الديمقراطي بعده. حيث يبدو أن إدارة أوباما، تحت ضغوط من إسرائيل وبعض دول الخليج والجيش المصري، رأت أن تكتفي في علاقاتها بمصر على المصالح الأساسية، وفي مقدمتها التحالف مع الجيش، وضمان اتفاقية السلام مع إسرائيل، وإرضاء حلفائها الخليجيين. وربما أوقف أوباما بعض المساعدات الأميركية لمصر شهوراً بعد الانقلاب العسكري، لكنه أعادها سريعاً، مكتفياً بنقد سجل النظام الحقوقي. وهنا يمكن النظر إلى ترامب استمراراً لتوجه إدارة أوباما، والإدارات الأميركية المتعاقبة، والتي دعمت حكم الجيش مصر تاريخياً، وركّزت على مصالحها في التعامل مع القاهرة. والجديد هنا هو درجة دعم ترامب لنظام السيسي، وليس الدعم نفسه.
ثانياً: منذ توليه الحكم، وترامب يحمل تصوراً صادماً للمنطقة، قد يراه بعضهم أحلاماً أو تطرّفاً، لكنه ساعٍ في تنفيذه. ويقوم تصور ترامب على الدعم المطلق ليمين إسرائيل المتشدّد، وجهوده في تصفية القضية الفلسطينية، ودعم النظم السلطوية العربية، والتخلي عن سياسة نشر الديمقراطية، وإعادة بناء التحالفات الإقليمية بشكل جديد.
وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أخيراً، خص ترامب السعودية وإسرائيل بالإشادة، وطالب بتحالف عسكري، يضم دول الخليج والأردن ومصر في مواجهة إيران، وبأن تتحمّل دول الخليج تكاليف أكبر في الأمن الإقليمي. ويلاحظ هنا أن فكرة الانسحاب التدريجي
 الأميركي من المنطقة، والتخفيف من أعبائها، مطروحة، منذ أواخر عهد الرئيس الأميركي، جورج دبليو بوش. وسارع بها أوباما. وبهذا، يمكن النظر إلى مطالب ترامب السابقة، كاستمرار للتوجه السابق. والجديد هنا أن ترامب، بتوجهاته اليمينية المشدّدة، يتعامل بأسلوب الصدمة مع المنطقة، ويدفع بأسلوب غليظ فج في اتجاه تصفية القضية الفلسطينية، وإقامة تحالف إقليمي ضد إيران، على الرغم من الأزمة الخليجية، وبالتنسيق مع إسرائيل. وتبدو مصر مرشحةً بقوة كجزء من هذا التحالف، بحكم ثقلها العسكري والاستراتيجي.
وخلال العام الحالي، وثقت أميركا علاقتها بالجيش المصري، من خلال الإفراج عن الجزء الصغير الذي جمّده وزير الخارجية الأميركي السابق، ريكس تيلرسون، من المعونة العسكرية، وتوقيع اتفاقية عسكرية مهمة مع الجيش المصري. وتسمح الاتفاقية الجديدة بتزويد مصر بصواريخ طائرات متقدمة، تعمل بنظام جي بي إس لم تحصل عليها مصر من قبل. وذلك في مقابل بقاء تلك الصواريخ وأجهزة إدارتها تحت الإشراف الأميركي بعد تسلميها للقاهرة. وهي اتفاقية رفضت حكومة مبارك التوقيع عليها في الماضي.
وبهذا يصل التنسيق العسكري المصري الأميركي إلى مستويات جديدة، تزامناً مع تطور مماثل في العلاقات الأمنية والعسكرية المصرية الإسرائيلية. حيث أفاد تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية، نشر في فبراير/ شباط الماضي، بأن القاهرة سمحت لإسرائيل بشن غارات جوية على أهداف لمسلحين في شبه جزيرة سيناء. وهذا يعني أن ترامب، على الرغم من تشدّده وفظاظته، يمثل امتداداً لاستراتيجية أميركية راسخة، ارتضت تاريخياً بحكم المؤسسة العسكرية لمصر، وقدمت لها الدعم السياسي والعسكري، في مقابل مزيد من التعاون الأمني والعسكري مع القاهرة، ومشاركة مصر في جهود إعادة تشكيل المنطقة، وفقاً لرؤى الإدارات الأميركية المختلفة، بغض النظر عن مدى تشدّدها وإمكانية تغيرها من إدارةٍ إلى أخرى. وهي استراتيجية تروق لنظام السيسي في الوقت الحالي، لما تقدمه له من دعم سياسي، وغضٍّ للطرف عن قمعه الهائل معارضيه.