السيسي في نيويورك .. أزمة الدولة والسياسة

22 سبتمبر 2016
الصورة

السيسي في الأمم المتحدة.. زيارة أم دعاية؟ (20/9/2016/فرانس برس)

+ الخط -
شارك الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في أعمال الدورة الحادية والسبعين للأمم المتحدة. أحاطت المشاركة مشهد الاحتفاء المنقول جواً من مصر إلى نيويورك، سافر 20 نائباً من البرلمان و90 سياسياً وإعلاميا لاستقباله، وتحمل نفقات السفر رجال الأعمال ووسائل إعلامهم المجتمعون في "غرفة صناعة الإعلام" التي تكونت في العام 2014 من عشر قنوات، تمثل هيئةً لضبط الخطاب الإعلامي والدفاع عن مصالح أصحابها من رجال الأعمال، وتأييد السلطة أيضا.
كان المشهد ملفتاً، ويحمل دلائل ومؤشراتٍ حول طبيعة النظام في هذه اللحظة، الأكثر غرابة أن وسائل الإعلام أبرزت دور الأقباط والكنيسة في الاستقبال الذي استغرق الإعداد له شهراً ونصف الشهر، بل وأعلنت هيئات قبطية دورها في الحشد عبر بيانات رسمية، وهو ما يتناقض مع خطاب الدولة المصرية، على مر تاريخها، من مخاطبة عموم المصريين، الأمر الذي يحيلنا إلى قراءة هذا المشهد الذي يعد تحولاً خطيراً، لأسباب عديدة، منها إن أي نظام سياسي حديث يسعى إلى الوحدة لا التفريق، ويعلن على الأقل أنه مؤيّد من الجميع. كذلك حين تتخذ المؤسسات الدينية أداةً للحشد السياسي، فهذا يعنى أننا أمام تطيفٍ للتأييد (أقباط) مقابل تطيف للمعارضة (الإخوان المسلمين). تستخدم الطائفية هنا أداةً لكسب الشرعية، ويتم ترويج التأييد في مقابل صكوك الأمان والدفاع، شارك الإعلام المصري في إبراز استقبال السيسي في نيويورك، بوصفه استقبالاً قبطياً، لكن الملفت أن نصف مستقبلي السيسي (بعيداً عن جدل الأرقام ما بين عشرات ومئات) تقريبا نساء محجبات!

يكشف هذا المشهد أزمة إدارة آليات دعاية، وهو حال نظم عربية وقوى سياسية كثيرة، فالرجوع إلى الانتماءات الأولية، كالدين والطائفة والعرق، وتوظيفها والاستناد عليهم لكسب مؤيدين، وإيجاد اصطفاف مرتبط بالتميز الديني والعرقي، أسلوب ينتمي إلى عصور ما قبل تكوّن الدولة الحديثة.
يذكّرنا هذا النمط من الدعاية والتعبئة بالدراسات الأنثربولوجية التي درست البناء السياسي للقبائل الأفريقية، تعود النظم العربية، بهذا السلوك، بالمجتمع إلى بنى سياسية، تعتمد على أسس طائفية وعرقية وجهوية، لتجاوز أزمتها في الحكم، القوى السلطوية بالمجتمع العربي تستعير دولة الزعيم الأب الذي تدين له الطائفة أو العرق بالشرعية في مقابل صكوك الحماية والأمان، كذلك الذين يرون أن مصر شبه دولة (وهو ما يخالف الواقع، فمصر دولة مركزية راسخة البنيان) لا يستغربون أن نقلد نماذج سياسية لقبيلةٍ تمثل شبه دولة، تصنف القبائل وحداتٍ سياسية إلى دولة أو شبه دولة. وللمشهد الممتد في الوطن العربي من مظاهر التطيف والجهوية والإثنية علاقة بالنظم السلطوية والاستبدادية، فهي مستعدّة لهدم الدول الحديثة في مقابل الاستمرار في السلطة.
نحن أمام هياكل سياسية ستعود بنا إلى الخلف، وستنتج صراعاً طائفية إثنية جهوية أو عرقية يخلف الدمار مستقبلا، حين تميت النظم الاستبدادية العملية السياسة والصراع السياسي، وتستبدل القهر والقمع بديلاً عن الصراع السلمي الديمقراطي، تلجأ، في الوقت نفسه، إلى سلوك القبيلة الحاكمة بديلاً عن الدولة الحديثة المعتمدة على المواطنة والديمقراطية. تستند القلة الحاكمة في النظم الاستبدادية على الانتماءات الأولية (الدين، القرابة، المصاهرة، الطائفة، العرق) للحشد والتعبئة، وتشل، عبر ذلك، حركة المجتمع، وتطوّق المجال العام.
تستخدم الطائفية، في سورية، لاستدامة العنف وهزيمة الحراك الذي بدا سلمياً ومدنياً مطالباً بالتغيير. في السودان، يستخدم البعد الثقافي والديني والجهوي في إحداث مواجهاتٍ بين المسلمين وغير المسلمين، بين ذوي الأصول العربية والأفريقية. وفي العراق واليمن ولبنان، الحالة نفسها في تجلٍّ واضح للانتماءات الأولية، بدلاً من الانتماء السياسي، أو الخلاف القائم على أسس برامج ومصالح الفئات الاجتماعية.
على جانب آخر، تستخدم صورة المواكب والاحتفاء بالحكام بوصفهم زعماء تم تنصيبهم في السلطة، لتكشف تجاوز مبدأ التنافس، والوصول إلى الحكم عبر الصناديق، إلى مبدأ اختيار الزعيم الملهم، الأب الروحي – الديني، الذي يمتلك القدرات الفائقة لحكم دولة يتهدّدها المخاطر، أو زعيماً دينياً، أو طائفياً، يمتلك الحكمة والتقرب لله والطائفة، فالزعيم والإمام وسيدنا وقائدنا يستطيع مواجهة المخاطر داخليا وخارجيا.
صنع الاحتفاء في نيويورك لجذب الأنظار والكاميرات، ولرسم صورة التأييد الشعبي، محلياً وخارجياً، إننا أمام صورةٍ رمزيةٍ لما وصلت إليه أساليب دعاية النظام، هل المطلوب أن يقال إن هناك حشداً قبطياً ضد حشد "الإخوان المسلمين" ومن صف صفهم؟ هل يؤشر ذلك إلى تطيف للصراع السياسي، ونكوصاً عن السياسة إلى صراعٍ يوظف الدين، فيصبح أداة للتنافس داخل المجال العام؟ قاد نظام حسني مبارك التنافس بينه وبين "الإخوان المسلمين"، فبدا محافظاً ينافسهم على التشدّد الديني والقيم المحافظة، وهو ما رفضه خطاب سلطة "30 يونيو" مسبقاً، ورفضته أغلب القوى السياسية، وكان أحد نقاط الاختلاف مع "الإخوان المسلمين".

ربما يكون مؤتمر أقباط المهجر الذي عقد منذ شهرين في الولايات المتحدة، وصدرت منه لهجة حادة ضد السلطة مهماً في فهم مشهد الاستقبال. التقت سلطة الدولة (النظام) مع سلطة الهيئات القبطية، ذات السلطة الدينية الرسمية، للرد على هذا المؤتمر الذي يتحدّى السلطتين اللتين أرادتا، عبر استقبال الأقباط السيسي في نيويورك، أن يلغوا صورة المؤتمر السابق، لكن من استقبلوه، وبعيداً عن جدل الأرقام بين عشرات ومئات، كان نصفهم نساء محجبات!
أمام هذا المشهد، رفضت شخصيات قبطية مدنية استخدام الكنيسة، أو الأقباط، في عملية تأييد للسلطة أو معارضة لها، معتبرين ذلك مخالفاً لما يحلمون به من دولة المواطنة المتساوية التي ينادي بها المصريون منذ ثورة 25 يناير، دولة المواطنة التي لا تفرق بين مصري وآخر على أسس الاعتقاد، مسلماً كان أو مسيحياً، أو أياً كانت معتقداته.
كشف المشهد في نيويورك أننا أمام تأميم الدين لصالح الدولة. إنه نموذج أقرب إلى مجتمعات ما قبل الحداثة التي تستخدم فيها القبيلة علاقات القرابة والدين لتقوية السلطة، ومن خلال البنى التقليدية تلك، تمنح صفة القداسة والتأييد الشعبي من قدسية الدين ومؤسساته إلى الحاكم، بينما تتناقض الدولة الحديثة مع روابط الدم والدين، فهي دولة للجميع، أنشاها المجتمع لتنظيم شؤونه وخدمة كل أفراده، ويدور الصراع فيها عبر مؤسسات وقواعد تخالف الصراع الإثني والديني أو المذهبي. يعود السلطويون في الوطن العربي بنا إلى دولة ما قبل الاستقلال، أو إلى نماذج القبيلة شبه الدولة، الطائفية أو المذهبية، لغة تتعارض مع قواعد السياسة وفكرة الدولة. وإذا استمر هذا الأسلوب، فإنه سوف يخلف مأساةً، لكن شبكات المصالح لا يعنيها ذلك، بقدر ما يعنيها حفظ مكاسبها وسلطتها، حتى ولو استخدمت أدوات تضر المجتمع وتهدمه، وتقضي على فكرة الدولة الحديثة.