السيسي في لندن وسط ضباب سياسي ثقيل

04 نوفمبر 2015
الصورة
تظاهرات في لندن ضد زيارة السيسي (انسي غونداك/الأناضول)
+ الخط -

ليس ضباب لندن وحده الذي يخيّم على زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى العاصمة البريطانية، وليست التظاهرات الصاخبة خارج مقر الحكومة في "10 داوننغ ستريت" وحدها التي عكّرت صفو المباحثات الثنائية بين السيسي ومضيفه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، ولا صحيفة "الغارديان" وحدها من لامت الحكومة البريطانية على استقبال "الحاكم المستبد" السيسي، على حد وصف الصحيفة، بل هي أجواء ملبّدة بالضباب والغضب والاستنكار تلقي بظلال ثقيلة على زيارة الرئيس المصري والوفد المرافق له بعد منحهم جميعاً "حصانة" تحميهم من احتمال الاعتقال في بريطانيا لتورطهم في "جرائم ضد الإنسانية".

ورأت صحيفة "الغارديان" أن السيسي الذي يبحث عن الشرعية الدولية منذ استولى على الحكم في مصر بانقلاب غير شرعي، يُستقبل من قبل كاميرون في "10 داوننغ ستريت"، مُستفيداً من تغليب بريطانيا للمصالح الاقتصادية والأولويات الملحة في المنطقة من قبيل الحرب في سورية، وتهديد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) وعدم الاستقرار في ليبيا، على المخاوف بشأن حقوق الإنسان والحكم والحريات السياسية في مصر. وتساءلت "الغارديان": كيف لرئيس الوزراء البريطاني الذي سبق وأشاد بالديمقراطية التي حققتها ثورة ميدان التحرير في العام 2011، أن يستقبل اليوم السيسي، وهو الرجل الذي أشرف على عمليات قتل لأكثر من 2500 من خصومه السياسيين، وأطاح بأول رئيس منتخب بعد الثورة؟

أما صحيفة "الفايننشال تايمز"، التي جزمت في افتتاحيتها بأن "استبداد عبدالفتاح السيسي لن يدفع مصر بأي حال من الأحوال إلى الأمام"، فدعت كاميرون "لإيصال رسالة صارمة للرئيس المصري خلال زيارته لبريطانيا". ونبّهت الصحيفة إلى أن "تشجيع السلطات الحاكمة في مصر سيؤدي إلى تردي الأوضاع فيها والمخاطرة بانضمامها إلى الدول الفاشلة في المنطقة". وأشارت الصحيفة إلى أن "السيسي عندما شغل منصب القائد العام للقوات المسلحة المصرية في العام 2013 أطاح بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي"، مضيفة أن "السيسي عمد بعدها إلى إعادة البلاد خطوات إلى الوراء". وقالت الصحيفة في افتتاحيتها إنه "في حال لم تتمكن مصر من إيجاد طريقة لدفع البلاد إلى الأمام بين التشدد وحكم الفرد المطلق، فإن مستقبلها سيكون قاتماً".

اقرأ أيضاً: السيسي في لندن: الزيارة الخارجية الأصعب

من جهتها، تساءلت صحيفة "الاندبندنت" عن سر إصرار حكومة كاميرون على المحافظة على استقبال قادة أنظمة استبدادية، وقالت الصحيفة: "كما لو أن الترحيب بالرئيس الصيني (الأسبوع الماضي) في داوننغ ستريت لم يثر ما يكفي من أزمة ضمير في المملكة المتحدة حول العلاقات مع الأنظمة الاستبدادية، حتى يمضي كاميرون وحكومته في استقبال اثنين آخرين من القادة المثيرين للجدل، وهما الرئيس المصري ورئيس كازاخستان نور سلطان نزارباييف، وكلاهما يتربعان على رأس نظامين متورطين بانتهاكات حقوق الإنسان والحريات العامة، تماماً مثلما هو النظام الصيني".

ومن دون أن تبتعد عن التحفظات والمخاوف التي يثيرها استقبال رئيس الوزراء البريطاني للرئيس المصري، قالت صحيفة "التايمز" إن "الحس الديمقراطي الذي انتشر في الربيع العربي ثبت، للأسف، أنه وجيز وعابر، والآن يتعيّن على الغرب أن يتعامل مع النظام السياسي كما هو موجود في العالم العربي وليس كما يُؤمل أن يكون". وتحت عنوان "حليف استبدادي ــ رئيس الوزراء محق في دعوة الحاكم العسكري المصري لداوننغ ستريت"، أضافت الصحيفة أنه "من اللائق تماماً أن توجّه الحكومة البريطانية الدعوة للسيسي الحاكم العسكري لمصر، لإجراء محادثات في داوننغ ستريت، على الرغم من القمع الشديد للمعارضة الديمقراطية، إذ لا توجد فرصة أنسب لكي يؤكد كاميرون للسيسي ضرورة احترام حقوق الإنسان وحتى لا يشعر المطالبون بالإصلاح في العالم العربي أنهم بمفردهم".

الجدل الذي ألقى بظلال ثقيلة على الزيارة الرئاسية، لم يتوقف عند عناوين الصفحات الأولى من الصحف الرئيسية ومقالات كتّابها، بل امتد إلى الأوساط السياسية والشعبية، إذ وجّهت شخصيات سياسية وأكاديمية وناشطون في مجال حقوق الإنسان في بريطانيا، الأسبوع الماضي، رسالة إلى كاميرون، طلبوا فيها سحب دعوته للسيسي لزيارة البلاد. واعتبرت شخصيات سياسية ونقابية وبرلمانية وأكاديمية بريطانية، استقبال السيسي اختباراً رئيسياً لمصداقية كاميرون الذي يبدو مستعداً لفرش السجاد الأحمر لقادة أنظمة استبدادية في سبيل تحقيق مصالح اقتصادية على حساب قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية. وجاء في نص الرسالة المُوقّعة من 55 شخصية، من بينهم وزير المالية في حكومة الظل جون ماكدونال، إضافة إلى وزيرة التنمية الدولية في حكومة الظل ديانا أبوت، والنائب عن حزب "الخضر" أندرو موري، أنه "لا توجد أي دوافع تجارية أو سياسية يمكن أن تبرر الدعوة التي تلقاها السيسي لزيارة لندن". وتابعت الرسالة: "نحن نعتقد أن زيارة السيسي تمثّل انتهاكاً للقيم في بريطانيا والتي تزعم الحكومة أنها تقوم بصيانتها والمحافظة عليها، بينما تقوم بالترحيب برجل أطاح بحكومة منتخبة وأنشأ بدلاً منها نظاماً إرهابياً، وهو النظام الذي يمثّل تراجعاً عن الديمقراطية في مصر وفي منطقة الشرق الأوسط برمتها لسنوات عديدة إلى الوراء".

أما على المستوى الشعبي، فمن الصعب أن يتجاهل رئيس الوزراء البريطاني وضيفه حشود المتظاهرين الذين أطلقوا في الأسابيع الماضية حملة "أوقفوا زيارة السيسي إلى بريطانيا" واستقبلوهما بتظاهرات غاضبة أمام مقر رئاسة الحكومة البريطانية، مُعتبرين أن زيارة السيسي إلى لندن تتناقض مع المبادئ التي تفخر بها بريطانيا، مثل حقوق الإنسان، وحرية التعبير، واحترام الديمقراطية.

اقرأ أيضاً: دعوات للتظاهرأمام مقر الحكومة البريطانية رفضاً لزيارة السيسي

المساهمون