السيسي المصدر الرئيسي للتشريع

02 يناير 2019
الصورة

يثير عبد الفتاح السيسي غبارًا كثيفًا، بإشعال الجدل بشأن مواد بعينها، مطلوب تعديلها أو حذفها من دستوره الذي وضعه بعد تنفيذ انقلابه على السلطة، لكن التجربة تقول إن الطغاة، في العادة، يعطون إشارة للاتجاه يسارًا، ثم يفاجئون الجميع بالتحرّك يمينًا.
وعلى ذلك، لا تنحصر خطورة استهداف الدستور الانقلابي في العبث بمواد، بما يتيح للسيسي أن يكون، بنصّ دستوره الجديد، المصدر الرئيسي والوحيد للتشريع، ولا في إعلان مصر دولة عسكرية بوليسية، لا مجال لتداول السلطة فيها إلا من خلال انقلابات عنيفة.. وإنما، وهذا هو الأخطر، إحداث انقلابٍ في المادة الخاصة بالمعاهدات الدولية، الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام السيسي للعبث في خريطة مصر، بالتصرّف في أراضيها ومياهها، بيعًا وتنازلًا وتأجيرًا.
في ذلك، ثمّة تسريبات بأن تعديل الدستور الانقلابي ليس مجرد فكرة ملقاةً في الفضاء السياسي، بقصد اختبار المواقف أو جس نبض الرأي العام، وإنما هو عملية بدأت بالفعل، قبل أن يركل السيسي كرة التعديلات، عبر مقال في صحيفة أخبار اليوم، إذ هناك ما يؤكّد أن لجانًا من خبراء سياسيين وقانونيين بدأت بالفعل في تنفيذ ما كلفت به، من أحلام الجنرال وطموحاته.
تتجه أحلام الجنرال إلى المادة 151 من دستور 2012، والتي بقيت في دستور الانقلاب 2014، ومع تعديلٍ طفيفٍ في صياغتها، لم يغير من مضمونها، وتقول "يمثل رئيس الجمهورية الدولة فى علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويصدُق عليها بعد موافقة مجلس الشعب، وتكون لها قوة القانون بعد التصديق عليها، ونشرها وفقًا لأحكام الدستور. وبالنسبة لمعاهدات الصلح، والتحالف، وجميع المعاهدات التي تتعلق بحقوق السيادة، تجب دعوة الناخبين إلى الاستفتاء عليها، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد موافقة أغلبية الأصوات الصحيحة للمشاركين فى الاستفتاء. وفى جميع الأحوال، لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها الانتقاص من إقليم الدولة".
هذا النص الذي جرى العصف به في جريمة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، في ظل غضبٍ شعبي عارم، حيث تمت عملية التنازل، أو البيع، أو التخلي، من دون استفتاء الشعب، وهو حقٌّ أصيل بنص الدستور، يبدو أنه في سبيله إلى الحذف والمحو، وفق المخطط له في كارثة التعديلات المقبلة، بحيث يختفي دور البرلمان، ويهدر حق التصويت الشعبي، وتصبح المسألة كلها رهنًا برغبة شخصٍ واحد فقط، هو عبد الفتاح السيسي، بما يمنحه حرية التصرف في أراضي مصر، من دون حسيب أو رقيب.
ولو وضعت ما سبق في سياق ما يجري في سيناء، من عمليات تهجير ومجون ديموغرافي، في ظل كلام كثير عن صفقاتٍ يُراد لها أن تتم بشأن القضية الفلسطينية، والشعب الفلسطيني، فإن الاقتراب من هذه المادة الدستورية يطلق يد عبد الفتاح السيسي في تنفيذ ما تريده واشنطن وتل أبيب، وأطرافٌ إقليمية، تريد التخلص من الصراع العربي الإسرائيلي بشكل نهائي، والدخول في علاقات تطبيعٍ شامل، وتعاون وتحالفٍ مع الكيان الصهيوني.
وبالإضافة إلى ذلك، وبالنظر إلى أن"المقالة السيسية" بشأن تعديل مواد الدستور قد تناولت المواد 18،19،21،23 المتعلقة بتخصيص نسبٍ من الناتج المحلى الإجمالي، للإنفاق على الصحة والتعليم والتعليم الجامعى والبحث العلمي، والتلميح إلى أن تكون هذه النسبة من الموازنة العامة، فهذا يعني ببساطةٍ مزيدًا من إهدار حق المواطن، صحيًا وتعليميًا، بحيث تتملص الدولة من واجباتها، ليصبح المواطن مجرد "زبونٍ"، يدفع لكي يحتفظ بحق الحياة في هذا المكان الذي يسمّى وطنًا.
أفهم أن يكون لدى بعضهم حساسية، وهو محق، في التعاطي مع دستورٍ وضعته سلطة غير قانونية، صعدت إلى الحكم، عبر "شرعية القتل والمذابح"، غير أنه، في نهاية المطاف، يبقى أن الجميع أمام سيناريوهاتٍ مفزعةٍ، تتعلق بجغرافيا مصر والإقليم، تستحق عملًا وطنيًا للتصدي لعملية اغتيال وطنٍ بطريقةٍ دستورية.