السيسي أبيض وأزرق.. وأحمر أيضًا 

25 سبتمبر 2019
الصورة
بلا مواربة الآن، يعلنها عبد الفتاح السيسي على المكشوف: أنا ابن الحلم الصهيوني، وصبي المشروع الإسرائيلي في المنطقة. أنا جندي في الحرب على الإسلام السياسي، حتى تنتصر اليهودية الصهيونية السياسية.

كالفأر المذعور، جلس تحت قدمي دونالد ترامب، يطلب المدد الصهيوني، قائلًا: أحارب لكم الإسلام السياسي في مصر والمنطقة.

منذ البداية، يسلك السيسي على قاعدة "مع إسرائيل ذلك أفضل جدًا"، فالعسل الصهيوني أهم عنده من الأرز السعودي والإماراتي، بل يقوم مشروعه، منذ البداية، على إغراق الأرز في العسل، فيتصرّف مثل زعيم وكالة هجرة صهيونية ينتمي إلى الزمن القديم، فيقود السعوديين والإماراتيين إلى فراش التطبيع.

هل منح ترامب السيسي قبلة الحياة باستقباله، والثناء على طغيانه وانتمائه الصريح للمشروع الصهيوني؟ ليس الأمر على هذا النحو تمامًا، بل الأرجح أنهم وصلوا إلى المرحلة الأخيرة من تمزيق مصر، بدفعها دفعًا نحو الاحتراب المجتمعي، والذي إن وقع لن تقوم لها قائمة، إذ يعود السيسي من نيويورك، مدشنًا السيناريو الأسوأ الذي يقترب من الحالة السورية، لتنتعش فرق الشبيحة في كل المجالات، احتفالًا بانطلاق مشروع العصف بالجميع.

هنا يصبح الجيش المصري الهدف المباشر للسيسي، بتوريطه في حربٍ ضد الشعب، تبدو عند السيسي وسيلة وغاية في وقت واحد، فمن ناحية يتصوّر أن في ذلك حماية لعرشه، ومن الناحية الأخرى تحقق مراد مشغليه وداعميه في تحويل مصر إلى مريض المنطقة المزمن، لا يموت، لكنه غير قادر على الوقوف والحركة.

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، وفي نيويورك أيضًا، قال ترامب إنه مع إسرائيل مائة بالمائة، وأعلن السيسي طاعته العمياء لترامب بنسبة مائة بالمائة، لتكون المحصلة إن السيسي بخدمة الكيان الصهيوني مائة بالمائة، سواء كان الليكود حاكمًا، أم صعد جنرالات تحالف "أزرق أبيض" إلى السلطة في إسرائيل.

الحاصل إن انقلاب السيسي لم يف بوعوده لأحد إلا الكيان الصهيوني، فيما مارس كل أشكال النذالة والوضاعة مع داعميه ومؤيديه في الداخل والخارج. 

داخليًا، عصف السيسي بكل من كان يتوّهم أنه لو لعب دور قابلة الانقلاب ومرضعته ومربيته وجليسته، في طفولته، سينال الراحة حين ينمو ويشتد عودُه، ويصير فتيًا وقويًا، غير أن الانقلاب العاق، بعد أن برزت أسنانه أطاح كل الأحلام والأوهام، ولم يترك عزيزًا أو شريكًا إلا وعقره حتى أسال دمه.

وعلى مستوى الخارج كذلك، كل الوعود والعهود تبخرّت، ولم تبق إلا عربدة الانقلاب العاق. انظر إلى ورطة السعودية في اليمن، وتذكر نكتة "مسافة السكة" التي أطلقها السيسي وهو يستدر المنح والعطايا والهدايا، تحت هذا الشعار الكاذب، وإعلان الجهوزية الكاملة للتحرّك، حماية للأصدقاء الداعمين من أي تهديد.

الآن، صار التهديد فعلًا وواقعًا كابوسيًا تغرق فيه السعودية، شقيقة السيسي الكبرى، حسب تعبيره التجاري المبتذل. يصفعها الحوثيون ليلًا ونهارًا، وتتحوّل إلى حالة الصراخ والأنين من ضربات المليشيا التي صارت تتحكم في مفاتيح إدارة الصراع، وإيقاع المواجهة. ويتضاءل هدف مشروع الحزم من تحرير اليمن وتأمين وحدته وتماسكه إلى الدفاع عن العمق السعودي ضد ضربات مليشيا الحوثي التي باتت روتينًا يوميًا، أو وسيلة تسليةٍ عند الحوثيين، كلما أحسوا بالملل يطلقون صواريخهم ويسيّرون طائراتهم نحو أهداف في المدن السعودية. ذلك كله والشخص الذي اغترف المليارات بعبارة "مسافة السكة" يشاهد ويستمتع ويتحرّك في اتجاهات أخرى، باحثًا عن أسياد ورعاة آخرين لمشروعه في مصادرة مصر لصالحه، وتقزيم الموقف العربي بمواجهة تحدّياته الاستراتيجية الحقيقية.

الشاهد أن سذاجة السياسة العربية صوّرت لأصحابها أنهم قادرون على قيادة مشروع الانقلاب، واستثماره في حسم الموقف في اليمن، بمواجهة المشروع الإيراني، غير أن الحاصل أن مشروع الانقلاب اقتادهم جميعًا إلى التحالف مع المشروع الصهيوني الذي يمثل رأس الحربة فيه، وبدلًا من أن يهرول لإنقاذهم في الساحة اليمنية، علّمهم كيف يهرولون إلى الحضن الإسرائيلي، ليتم تغيير مسار التدخل في اليمن، من مواجهة المشروع الإيراني إلى تمكين المشروع الإسرائيلي في البحر الأحمر وباب المندب، لينتهي الأمر بأن اليمن بات يواجه خطر التقسيم، بعد أن تحوّل الذين زعموا تدخلهم للدفاع عن وحدته وشرعيته إلى أعداء صريحين لهذه الوحدة وتلك الشرعية، محاربين ضد الشعب اليمني، لا من أجله.