السياسة والأخلاق .. وقائع مغربية

08 يوليو 2020
الصورة

محمد أمكراز ومصطفى الرميد

تابعت بشغفٍ كثير النقاش الذي أثير أخيرا في المغرب حول ما سميت قضية الوزيرين مصطفى الرميد ومحمد أمكراز. الأول وزير دولة مكلف بحقوق الإنسان، ووزير مكلف بالعلاقات مع البرلمان. والثاني وزير للشغل. وكلاهما محاميان وينتميان إلى حزب العدالة والتنمية، الإسلامي، الذي يقود الحكومة. أما القضية فتتعلق بعدم دفع مكتبيهما محامييْن، قبل التحاقهما بالوزارة، مستحقات الضمان الاجتماعي للعاملين معهما. وقد أثارت هذه القضية جدلا واسعا في المغرب، أولا، لأن أحد المعنيين وزيرٌ لحقوق الإنسان، وسبق له أن شغل منصب وزير للعدل خمس سنوات، وقبل ذلك كان نائبا برلمانيا 14 سنة، عدا عن أنه محام ومؤسس لهيئة مدنية تُعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان. أما المعني الثاني فهو وزير الشغل، وبحكم منصبه الوزاري يرأس مجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي، وبالتالي هو الوصي على مدى احترام المشغّلين في المغرب، بما فيهم الدولة، الحقوق الاجتماعية والواجبات المدنية للموظفين والعاملين في القطاعين العام والخاص. 

بداية هذه القضية أثارتها وفاة موظفة كانت تعمل في مكتب المحاماة الذي كان يديره وزير حقوق الإنسان، سيُكتشف أن المكتب الذي كان يُشغلها لم يكن يدفع لها مستحقات ضمانها الاجتماعي نحو ربع قرن، وفي خضم الضجة التي أحدثتها هذه القضية على مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، سيتم اكتشاف أن المكتب الذي كان يديره وزير الشغل حتى تعيينه في منصبه الحكومي عام 2019، لم يكن هو الآخر يدفع مستحقات منتسبيه إلى صندوق الضمان الاجتماعي. في البداية، التزم الوزيران الصمت، وتم الإعلان عن تقديمهما أمام "لجنة النزاهة والشفافية" داخل حزبهما لمساءلتهما. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، اختلفت الآراء بين من سارع إلى إدانة الوزيرين والحكم عليهما ومطالبتهما بالاستقالة، وتنزيل العقوبات التي ينص عليها القانون في حالة المخالفة القانونية التي ارتكباها. أما أنصارهما وأتباع حزبهما فانتصبوا للدفاع عنهما، معتبرين أن الأمر يتعلق باستهدافٍ سياسيٍّ من خصومٍ سياسيين يأتون مخالفاتٍ أشنع ولا أحد يتحدث عنها. وثمّة من الأصوات غير المنحازة لكلا المعسكرين، طالبت المسؤولين الحكوميين بالإقرار بخطأيهما وتصحيحه وتقديم استقالتهما، احتراما للرأي العام الذي ائتمنهما على صون حقوقه وضمان مستحقاته.

الأخلاق لا تقوم بعمل جيد للتنبؤ بالمواقف السياسية المستقبلية للشخص، بل العكس، المواقف السياسية هي التي تصبح موجهةً للبوصلة الأخلاقية للفرد

وأسابيع من انشغال الرأي العام بهذه القضية التزم الوزيران، كما حزبهما، الصمت المطلق. وعندما صدر قرار اللجنة الحزبية التي قيل إنهما مثلا أمامها خلال أربع جلسات امتدت ساعات، نزل بردا وسلاما على "الأخوين"، فهو أقرّ بأن عدم التصريح بالمستخدمين لدى صندوق الضمان الاجتماعي "مخالفة قانونية، ما دام التصريح بشأنهم يبقى واجبا في الأصل على المشغّل". وفي المقابل، أكد أن المسؤوليْن "لم يخرقا قواعد النزاهة والشفافية المرتبطة بتدبير الشأن العام ومقتضيات تحمّلهما لمسؤولياتهما العمومية". وفي هذا اعترافٌ ضمني بأنهما خرقا القواعد نفسها، ولكن في تسييرهما مكتبيْهما! واختتمت اللجنة الحزبية "حُكمها" باستنكارها ما وصفته "محاولات ركوب البعض على الواقعتين، من أجل شن حملة منهجية ومنسقة، استهدافا للحزب ومحاولة للنيْل منه ومن قياداته"، معتبرة أن "رصيد الحزب وممارسة مناضليه ممن يتولون مسؤوليات عمومية رصيدٌ مشرّف ومعتبر، يدعو إلى الاعتزاز والافتخار، ولا ينقص منه ما يمكن أن يصدر من بعض مناضليه من أخطاء، يسارعون من تلقاء أنفسهم أو بمبادرة من مؤسسات الحزب إلى تصحيحها"، انتهى منطوق الحكم الحزبي.

قضية أثارت جدلاً واسعاً في المغرب، أحد المعنيين بها وزيرٌ لحقوق الإنسان، وشغل منصب وزير للعدل خمس سنوات

يجب الإقرار بأن هذه القضية أحدثت استقطابا حادّا على الأقل داخل وسائل التواصل الاجتماعي، بين مطالبين باستقالة الوزيرين وأنصارهما المدافعين عن أخطائهما كما اعترفت بها اللجنة الحزبية التي نصبها حزبُهما لمحاسبتهما. وللموضوعية، فإن أغلب من سارع إلى محاكمة المسؤولين الحكوميين والمطالبة برأسيهما ليسوا على ملة واحدة، ومن بينهم من حاولوا، فعلا، "الركوب" على القضية، لتصفية حسابات سياسية مع التيار السياسي الذي ينتمي إليه الوزيران. وربما لم تكن هذه القضية لتثير كل هذه الضجة، لو أن المعنييْن بها كانا ينتميان إلى فصيل سياسي آخر غير الإسلاميين. ومن باب المفارقة، فقد أثيرت في التوقيت نفسه قضية مسؤول حكومي سابق، كشفت وثيقة رسمية ما يرقى إلى شبهة فساد، ارتكبه في أثناء إدارته قطاعا حكوميا كبيرا، وبدلا من ارتفاع الأصوات نفسها التي نصبت نفسها مدافعة عن الحق العام، انتصبت أصواتٌ وشَرَّعت جرائد ومواقع إخبارية صفحاتها للدفاع عن المسؤول الحكومي السابق، وأُفردت له حواراتٍ خاصة وحصرية، للدفاع عن نفسه وترجيح روايته التي برّرت صرف مبلغ يناهز 250 ألف دولار لبناء موقع إلكتروني. وجاء في الوثيقة المسرّبة الصادرة عن لجنة تفتيش تابعة لوزارة المالية أن الكلفة الحقيقية لبناء مثل هذا الموقع وبالخاصيات والتصميم نفسيهما لا يجب أن تتعدّى 20 ألف دولار. وتزامنا مع القضية نفسها، أيضا، أشعلت تغريدة للسفيرة الفرنسية في الرباط وسائط التواصل الاجتماعي في المغرب، عندما كتبت أن رئيس لجنةٍ عينها الملك لإعداد مشروع لنموذج تنموي مستقبلي للمغرب خلال السنوات المقبلة، أطلعها على نسخةٍ من تقريره الذي ما زال قيد الإعداد. وجاءت التغريدة على شكل تنويهٍ من أستاذة لتلميذها النجيب الذي يُطلعها على تقدّم عمله، وهو ما أثار غضب كثيرين رأوا في تغريدة السفيرة استفزازا لمشاعر المغاربة. وحتى عندما طالبت أصواتٌ باستقالة المسؤول عن لجنةٍ عُهد لها برسم خريطة طريق المغرب والمغاربة خلال العقود المقبلة، تم وَسمُ أصحابها بأنهم مجرّد "ذباب إلكتروني" يحرّكه الإسلاميون المعادون للفرانكفونية وللغرب. 

وعود على بدء، وبعدما هدأت الأصوات الغاضبة، وخفتت مطالب الإقالة والاستقالة، وتوارت التشنجات من هذه الجهة وتلك، وكادت الحياة أن تعود إلى مجراها كما يحدث في المغرب بعد كل ضجةٍ تقيم الدنيا ولا تقعدها، فإن أهم ما استوقفني في هذه القضايا كلها، وما أثارته من نقاش تلك العلاقة الملتبسة ما بين السياسة والأخلاق، وهي قديمة قدم الفكر الإنساني منذ أرسطو إلى مكيافلي. وأقف هنا عند حالتي الوزيرين الإسلاميين، لأن من انتصر فيها هي المعتقدات السياسية على الأسس الأخلاقية المفروض أنها تؤسّس الفكر الذي يدّعي حزبُهما أنه يتخذه مرجعيةً له. وقبل نقاش كيف انتصرت الإيديولوجيا السياسية على القيمة الأخلاقية، لا بد من بعض التوضيحات. 

العلاقة الملتبسة بين السياسة والأخلاق قديمة قدم الفكر الإنساني منذ أرسطو إلى مكيافلي

أولا، اختار الوزيران التوجه إلى حزبيهما، بدلا من التوجه إلى الرأي العام، أو إحدى مؤسساته التمثيلية لتقديم توضيحاتهما، وفي هذا عدم احترام للرأي العام المفروض أنهما مسؤولان عن إدارة شأنه العام، ويتلقيان تعويضاتها السخية من ماله العام، وليس من صندوق حزبهما. ثانيا، ما زال الوزير مصطفى الرميد يلتزم الصمت بخصوص هذه القضية بالضبط، وهو الذي دأب على الجهر بمواقفه في قضايا حساسة، وغالبا ما أشهر استقالته من مسؤولياته لأمور تافهة من دون أن يُقدم على ذلك، حتى صار الأمر نوعا من فن "التفاوض" الخشن الذي عرف به الرجل. وثالثا، الوزير محمد أمكراز لم يَبرح أن خرج معترفا على الملأ، أمام شبيبة حزبه، بمخالفته القانون (كذا)، عندما لم يقم بتسجيل اثنين من المستخدمين في مكتبه في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وأكد، وهو وزير مسؤول، أن "مناضلي وقيادات بعض الأحزاب الذين خاضوا حملة ضده متورّطون في ارتكاب جنح وجنايات، وليس فقط مجرّد مخالفات". وبدلا من أن يعلن أنه سيتحمل مسؤوليته للإبلاغ عنهم، كما تقتضي ذلك القوانين ويفرضه ضمير مسؤولٍ يتبوأ منصبا رفيعا داخل الدولة، فإن إشارته تلك كانت فقط من أجل تبرير "مخالفته"، على اعتبار أن ما أقدم عليه هو أقلّ ضررا، حسب تقديره، مما يرتكبه خصومه من "جنح" و"جنايات" لا أحد يحاسبهم عليها! 

الواضح الآن أن ما كان يشغل الوزيرين، ومن ورائهما حزبهما، هو فقط موقفهم السياسي، وليس الموقف الأخلاقي. وهذه الملاحظة ما كانت لتبرز بقوة لولا أن المسؤولين الحكوميين ينتميان إلى حزبٍ ينتسب إلى مرجعية إسلامية، وبالتالي هما يقدمان نموذجا لرصد تطور العلاقة ما بين الأسس الأخلاقية التي تدّعي كثير من تيارات الإسلام السياسي أنها تتخذّها مرجعية لها، وبين معتقداتها السياسية ومنطلقاتها الإيديولوجية. إذا يفترض أن المواقف السياسية هي نتاج الحدس الأخلاقي. أما عندما تكون الأحكام الأخلاقية مدفوعةً بالمعتقدات السياسية، فإن هذه الأخيرة هي التي تنتصر، في النهاية، لتشكيل كيفية توجيه الفرد إلى ما هو الصواب وما هو الخطأ.

الواضح أن ما كان يشغل الوزيرين المغربيين، الرميد وأمكراز، ومن ورائهما حزبهما، هو فقط موقفهم السياسي، وليس الموقف الأخلاقي.

وأحيل هنا على نتائج دراسة قيمة حول كيف تقوم الإيديولوجيا بتبرير الأخلاق (https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1111/ajps.12448) نشرتها "المجلة الأميركية للعلوم السياسية" عام 2019، توصلت إلى أن معتقداتنا السياسية وانتماءنا إلى الأحزاب السياسية قد تساعد في تشكيل معتقداتنا وأخلاقنا. وقد تتبع الباحثون معدو هذه الدراسة المواقف السياسية لآلاف الأشخاص، وعلاقتها ببعض الأسس الأخلاقية، مثل العدل والوفاء والنقاء، ومع مرور الوقت، وجد الباحثون أن الأخلاق لا تقوم بعمل جيد للتنبؤ بالمواقف السياسية المستقبلية للشخص، بل العكس هو الصحيح، أي أن المواقف السياسية هي التي تصبح موجهةً للبوصلة الأخلاقية للفرد. وتفسّر الدراسة هذا "الجمباز العقلي" بأن "العدسة الإيديولوجية" هي التي تقوم بتصميم الموقف الأخلاقي المناسب للشخص، حتى يصبح منسجما مع ذاته. وتقف الدراسة عند نقطةٍ محيّرة، لا تجد لها تفسيرا مقنعا، مثل قضية "الدجاجة والبيضة"، عندما تعجز عن تفسير العلاقة السببية ما بين أخلاق الفرد وانتمائه السياسي، هل أخلاق الشخص هي التي تُملي عليه انتماءه السياسي أم أن انتماءه السياسي هو الذي يشكل أخلاقه؟!

وفي حالة الوزيرين الإسلاميين، خصوصا الرميد، الذي يُعدّ أحد أبرز قادة حزب العدالة والتنمية، فإن الإيديولوجيا السياسية أصبحت هي المحدّدة لأخلاقه. ومن خلال مواقف سياسية سابقة يمكن التأكيد أن عقيدته السياسية كانت أكثر استقرارًا عبر الزمن من الأسس الأخلاقية التي يدّعي حزبه أنه يتخذ منها مرجعه الأصلي. وفي الحالتين، والحالتين الأخريين اللتين أثيرتا آنفا، فإن من انتصر في النهاية هي السياسة على الأخلاق.