السياسة في عهد السيسي
"فلسطين عربية" في مظاهرة مصرية بالقاهرة (سبتمبر/2011/Getty)
يدرك نظام عبد الفتاح السيسي في مصر أن سياسة الانكفاء التي اتبعها سلفه حسني مبارك تجاه القضية الفلسطينية، ومن ثم ممارسة الضغوط، المطلوبة أميركياً وغربياً وإسرائيلياً، هي المطلوبة منه ليكون "قائداً" لأكبر دولة عربية، وقد أدت هذه السياسة بكوارث متعددة الأوجه على العرب، وصلت إلى المساهمة في صنع بعضها، والمشاركة في بعضها الآخر، إذ ليس عبثاً أن تكون السياسة المصرية التي أحيلت على "المعاش"، وتتقاضى في مقابله حفنة من المساعدات الأميركية السنوية، وليس مصادفة أن تشدد القبضة الأمنية المصرية حصارها على قطاع غزة، مع اندلاع العدوان الإسرائيلي، فالتنسيق قائم مع سلطات الانقلاب.
ويعرف الشارع العربي حجم مصر ودورها العربي المؤثر في الشأن العربي، وربما الإسلامي والإقليمي، وإلا لما كان دائم السؤال عن الغياب السياسي لمصر الدولة، لإحداث أي تأثير في الأحداث والمخاطر التي يتعرض لها العرب، والمنطقة عموماً، وخصوصاً الجار الأقرب، فلسطين، وقطاع غزة تحديداً، لما يعانيه من ويلات الحصار والعدوان المستمر.
فالسيسي الذي أوفد مدير مخابراته، محمد التهامي، إلى تل أبيب، لبحث المخاطر التي تتهدد الأمن القومي لمصر في سيناء وغزة، قبل بدء العدوان بيوم، كان قد بدأ في حربه ضد غزة، في اليوم التالي للانقلاب، وصعد ضد الفلسطينيين، وأخذت أبواق المشير الإعلامية حملتها العنصرية، في وسائل الإعلام، للتحريض على الفلسطينيين تحت اسم "محاربة حماس والإخوان"، مدفوعة من قوى فلسطينية وإقليمية، متحالفة مع دوائر أمنية.
لا يتسق السلوك الذي اتبعه عبد الفتاح السيسي، بالأصل والحقائق التاريخية، مع الدور
إذا كان السيسي وأركان انقلابه يقصد من إجراءاته التي تستكمل عهد سلفه، حسني مبارك، بالابتعاد أكثر عن حقائق التاريخ والجغرافيا بالانكفاء المتزايد، والمساهمة الفعالة، تنسيقاً وتخابراً، مع المحتل، وشريكاً بلا منافس في خنق الغزّيين، فإن سلوكه هذا يعبر عن مأزقٍ سياسي مستمر منذ ثلاثة عقود، خيم على مصر، مما أحدث أسفاً وأسى لدى الفلسطينيين والمصريين والعرب، بسبب تكبيل دور كبير مرتقب لسياسة دولة بحجم مصر، يليق بتضحيات شعبها، فتقزم إلى حدودٍ ضيقة، ينحصر في شريط حدودي هنا وهناك ومعبر مغلق ومعبر مفتوح، مع جهد استخباراتي لتأمين الاحتلال.
لغة السياسة الفارغة التي يتكلم بها السيسي في مصر، سمعناها مرة إثر مرة، لا تكفي ولا تشبع رغبة العرب، والفلسطينيون منهم، برؤية دور أعظم لمصر. وهنا، ليس مطلوباً أن تدخل مصر حرباً، ولا أن تضحي بما تعتبره إنجازاً، تحقق في العقود الأربعة التي بلغت فيها سن التقاعد والحياد عن قضايا العرب. لقد غاب، اليوم، الموقف الحاسم الذي اعتاد عليه المتابع للموقف السياسي المصري في قضايا عربية كثيرة، حتى في أيام الرئيس المخلوع حسني مبارك.
ولقد وصل الانحدار العنيف لمكانة السياسة المصرية، في عهد عبد الفتاح السيسي، إلى مستوى كارثي، فهو غير حيادي، ولا يشارك بإسناد الشعب الفلسطيني بوجه العدوان، بل يعمل على تعزيز الإطباق على الغزيين، وتسهيل تدمير حياتهم، بينما يمضي إعلام العسكر في حملته التحريضية ضد الفلسطينيين والسوريين، وضد الشعب المصري، في تحميل الضحية مسؤولية عدم سماحها للجلاد ذبحها في هدوء. وأمر محبط أن يعول العالم العربي على دور أكثر فاعلية لمصر، بسبب موقعها وتاريخها في ذاكرة الإنسان العربي، ولا يجد من هذا الدور إلا ما تفعله سلطة الانقلاب بحق الشعب الفلسطيني، وبحق مصر.
الشعب المصري مسيَّس، وليس خارج نطاق التاريخ. وقد ثبت في ثورة 25 يناير أن هذا الشعب أصيل، على الرغم من معاناته الحياتية اليومية، وقد لمست الشعوب العربية منه رغبته في أن يكون لبلده دور وموقف مختلف بشأن المشاريع التي تتربص بالأمة، وأن يكون دورها رياديا وسباقا ومبادراً. وسيثبت الشعب المصري، كما شقيقه الفلسطيني، أنه أقوى من أن يتم الانقضاض عليه، وعلى ثورته ونضالاته بسهولة. فبالمشاركة بالعدوان على الشعب الفلسطيني لن تبعد الأخطار عمن يظنونها سياسة حكيمة! وما تشهده غزة من بطولة وصمود أسطوري في وجه العدوان هو ذاته الذي كان في 2012، وزلزل حكم حسني مبارك، وارتداده سيطيح عسكر الانقلاب إلى هوامش التاريخ.