السياسة العراقية... عداء في الظاهر ومداهنات بالباطن

19 سبتمبر 2018
+ الخط -

من يتابع المشهد العراقي، خصوصاً بعد انتخابات مجلس النواب التي جرت مؤخراً، يعلم ويدرك يقيناً حجم المشكلة في البلد وأنها نتاج سياسات خطأ وأعراف تم المضي بها بعد عام 2003 وإلى الآن، لعل أهمها المحاصصة الطائفية والحزبية في توزيع المناصب العليا في الدولة التي تجري بعيداً عن الكفاءة والمهنية كما يصرح بذلك الكثير من أصحاب الشأن، والمراقبون للشأن العراقي.

قد يسأل أحدهم عن سبب التأخر في الإجماع على شخص رئيس الجمهورية ونائبيه، والتسريبات التي تجري بشكل شبه يومي عن المرشح لمنصب رئيس الوزراء والطاقم الوزاري المقترح، ولعل من يتابعها بتمعن يدرك أن الأمور تسير كما كان الوضع سابقاً، بعيداً عن الشخصيات "التكنوقراط، والمستقلين" كما طالب بذلك السيد مقتدى الصدر وكثر من قادة الكتل الفائزة بالانتخابات.

المثير للاستغراب أن معظم المرشحين لرئاسة الجمهورية والوزراء متهمون بقضايا "فساد" ومَن رفع الدعاوى عليهم بالأمس هم من رشحهم اليوم وأعلن دعمهم!



تطورات كثيرة جاءت تباعاً خلال الأيام القليلة الماضية محاولة إنتاج تحالف يضم "سائرون" و"الفتح"، بعد فشل المحاولة الأولى التي أعقبت إعلان نتائج الانتخابات، فالجميع يعلم أنه لا إمكان لتشكيل حكومة من دون مشاركة "سائرون" و"الفتح"، والخلاف كان حول الكتلة الكبرى التي ستشكل الحكومة فكتلتا "الفتح" و"دولة القانون"، ومِن خلفهما إيران، كانتا تريدان تشكيل تلك الكتلة لضمان رئاسة الوزراء من خلالها، فتكون هي عماد هذه الحكومة. يقابلها تحالف للعبادي و"سائرون"، المدعومين من الولايات المتحدة الأميركية، اللذين باتا بمحاولات إعادة النصاب والتفكير بعقلية اللاعب الإيراني، لكن الجميع، بما فيه الولايات المتحدة وإيران، على يقين بأنه لا يمكن تشكيل حكومة حقيقية من دون وجودهما معا، وقد عجلت إزاحة العبادي من سباق الترشيح لأول مرة، وبشكل عملي؟

إعادة إنتاج تحالف كهذا بين "سائرون" و"الفتح"، وبالطبع لا إمكانية لإقصاء حزب الدعوة من معادلة كهذه، وذلك من خلال ترتيب شبيه بترتيب سنة 2014، يجمع كلا من المالكي والعبادي، وفي إطار هذه المعادلة ليس من خيار أمام "الحكمة" سوى الالتحاق، ففكرة المعارضة يمكن أن تنجح كشعار وبروباغندا، ولكن لا مكان لها في النظام السياسي العراقي.

ما حدث وسيحدث يفرض واقعاً جديداً يجب التعامل معه والتفكير جدياً في التحالفات والتوجهات التي حكمها الاستقطاب القائم بين "سائرون" وحلفاؤها، و"الفتح" وحلفاؤها، كما سيجعل الجميع يفكرون بقواعد اللعبة ذاتها التي حكمت تشكيل الحكومات الثلاث السابقة في السنوات 2006 و2010 و2014.

ما سيفرض على الفاعلين الرئيسيين في العراق، الولايات المتحدة وإيران، القبول بما تفرضه الوقائع على الأرض بعيدا عن التجريد الأميركي، والعقائدية الإيرانية!

وفي الأثناء ينتظر العراقيون واقعاً جديداً ووضعاً ينتشلهم مما هم فيه، في الوقت الذي بات كل الشارع العراقي يعلم بأن من انتخبوهم قد لا يلبون الاحتياجات ولا يصلون لمستوى الطموح، بل إنهم مع الكتل الأخرى يبحثون عن المناصب والمكاسب وفي وسائل الإعلام يطالبون بحقوق ناخبيهم، فترى ذلك يتخاصم ويتشاجر داخل مجلس النواب من أجل استعطاف جمهوره تارة ودغدغة المشاعر الطائفية لديهم تارة أخرى، وما حادثة النائب عمار طعمة ببعيدة.. والقادم أدهى وأمر إن لم ينتبه رئيس مجلس النواب لذلك ويضع حاشية سليمة تقومه وتراقب عمله وتقدم له الاستشارة والنصح والصواب.