السياسة الخارجية المصرية والأزمة الليبية

13 يناير 2020
الصورة
+ الخط -
اتخذت السياسة الخارجية المصرية، منذ اندلاع الثورات في منطقة الشرق الأوسط، منحى جديدا قائما على الارتباط بالسياسة الخارجية لمحور الثورة المضادة في المنطقة (الإمارات والسعودية)، تحولت فيه مصر من دور القيادة إلى التابع، انعكس هذا التحول على مصالح مصر الخارجية وأمنها القومي. وكان أول تجليات هذا التحول وآثاره المدمرة في التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للعربية السعودية، وما تمثله الجزيرتان من أهمية استراتيجية لشبه جزيرة سيناء وأمن مصر القومي. يتكرّر الأمر اليوم مع الأزمة الليبية المعقدة، والتي ستلقي بانعكاساتها مجدّدا على الأمن القومي المصري، وستصبح خطرا على الحدود الغربية لمصر. منذ اللحظة الأولى للأزمة الليبية، ومع انضمام مصر لمحور الثورة المضادة، في دعم قوات الجنرال خليفة حفتر ضد حكومة الوفاق، المعترف بها دوليا، فقدت مصر دورا مهما كان من الممكن أن تلعبه في حل الأزمة الليبية، وهو دور الوسيط بين الأطراف المتصارعة، واستخدام أوراق سياسية مختلفة لتهدئة الأوضاع، والوصول إلى حل سياسي.
ما يحدث الآن في ليبيا معقد للغاية، حتى إن المجتمع الدولي يقف عاجزا أمام الوصول إلى الحل، في ظل تعقيد الموقف على الأرض، وتصاعد المواجهات العسكرية. وللصراع الآن في ليبيا أطراف متعدّدة، فهناك الحلف المصري السعودي الإماراتي في مواجهة الحلف القطري التركي، وهناك الصراع الفرنسي الإيطالي بجانب الأجندة الروسية المضادّة للأجندة الأميركية. وتمثل هذه الأجندات المتصارعة والمتضاربة في ليبيا عثرة في سبيل الوصول إلى حل، وتؤكد عجز المجتمع الدولي عن الوصول إلى ذلك، فيما وصل هذا التصارع إلي الاتحاد الأوروبي الذي كان منوطا به أن يساهم في الحل، ولكن الصراع بين الفرنسيين والإيطاليين، كقوتين لهما
 أهداف استعمارية قديمة في ليبيا، عقّد من قدرة الاتحاد الأوروبي علي فعل ذلك، ففي وقتٍ تتبنى فيه الحكومة الفرنسية موقفا معلنا من دعم حكومة الوفاق الشرعية، تتبنّى في الخفاء أجندة أخرى تدعم من خلالها قوات الجنرال حفتر وحملاته العسكرية. في المقابل، تتخذ إيطاليا موقفا مغايرا نكاية في فرنسا، باعتبار أن ليبيا إحدى مستعمراتها القديمة، ولها حق تاريخي فيها. وعطّل تضارب المصالح هذا من الوصول إلى حل، بل جعل الحكومة الألمانية، برئاسة المستشارة ميركل، تبذل جهودا عدة للتوفيق بين الغريمين، الفرنسي والإيطالي، ولكن يبدو أن الجهود غير مثمرة، كما أن هناك شكوكا تتنامى بشأن قوة مؤتمر برلين، المقرر عقده في شهر يناير/ كانون الثاني الجاري، في القدرة على جمع الفرقاء، للوصول إلى حلٍّ يرضي جميع الأطراف المتصارعة.
في الوقت نفسه، تدخل تركيا الغريم الأيديولوجي لمحور الثورة المضادة على الخط، وترسل قواتٍ تركيةً لدعم حكومة الوفاق. وليس هذا الدعم التركي العسكري جديدا، شأنه في ذلك شأن تدفقات السلاح المصري والإماراتي لحكومة حفتر. صحيح أن الدعم التركي لحكومة الوفاق لم يكن عسكرياً فقط، وإنما كان سياسياً أيضاً بمنح الغطاء الدبلوماسي في المحافل الدولية، ما أحدث توازناً للرعب بين الشرق والغرب في ليبيا، وكذلك في صراع الأجندات السياسية في الشرق الأوسط. في ذلك كله، لا تأبه مصر بأمنها القومي، وباعتبار ليبيا أحد امتداداته من الناحية الغربية، وتستمر في سياستها الخارجية المرهونة بالسياسة الخارجية لدولة الإمارات، 
من دون أي اعتبار آخر للأمن القومي المصري وأهميته. ومصر، حتى اللحظة، لا تمتلك رؤية واضحة أو خطابا واضح المعالم بشأن الوضع في ليبيا، كما أن إعلام النظام لا يروج سوى خطاب غوغائية لا يعرف معنى الأمن القومي وأهميته، والوضع الجيواستراتيجي وأهميته في صنع السياسة الخارجية، وتحديد أولوياتها، كما أنه يروّج كلمة المؤسسات الليبية، في دولةٍ لا تعرف المؤسسات.
النقطة الأخطر، والتي تغيب عن صانع القرار المصري، والمتحكم في سياستها الخارجية، أن الصراع في ليبيا هو نوع من إعادة إنتاج للنموذج الصومالي وليس النموذج السوري، لأن الأطراف التي كانت متفقة في سورية هي اليوم متصارعة، وغير متفقة في ليبيا، لذا فإن إعادة النموذج الصومالي في ليبيا هو الأقرب، والمشهد أقرب إلى ما حدث في 1994 عندما دخل محمد فارح عيديد العاصمة الصومالية مقديشو، ما نتج عنه تشرذم في المشهد الصومالي وتفكك الدولة. وبكل وضوح، وفي ظل الأزمات الداخلية والخارجية التي تمر بها مصر، لن تكون قادرة على تحمل كلفة وجود صومال جديد (دولة فاشلة) على حدودها الغربية. سيكون الوضع كارثيا بالنسبة لها، وستكون هناك أوكار للجماعات المتطرفة، إلى جانب الخصوم السياسيين، والمقصود هنا الخصم التركي الذي سيستخدم ذلك بكل وضوح للضغط علي مصر، والتأثير علي أمنها القومي. وتستطيع مصر، بالتنسيق مع الأوروبيين، 
إيجاد حل مشترك وبلورة رؤية للحل في ليبيا، ففي وقتٍ أصبحت فيه علاقة الرئيس التركي، أردوغان، سيئة بالأوروبيين، وأصبح هناك نوع من المساومة لهم بمسألة الهجرة وفتح الحدود، خصوصا حينما هدد أردوغان أوروبا أكثر من مرة بفتح الحدود أمام اللاجئين وإغراق أوروبا بهم. ولذا فإن معنى تمدّده ووجوده في ليبيا أنه سيتحكّم مرة أخرى في ملف مهم، متعلق بالهجرة غير الشرعية من السواحل الليبية، وقد يستخدم ذلك ورقة ضغط سياسية ضد الأوروبيين، ما يعني أن مصر قد تلعب دورا تفاهميا مع الأوروبيين بشأن ذلك، والضغط في اتجاه الحل. في الوقت نفسه، وانطلاقا من مبدأ أنه لا أعداء ولا أصدقاء في السياسة، تستطيع مصر فتح حوار مع النظام التركي بشأن الوضع في ليبيا، للعب دور مهم، والوصول إلى تسوية للنزاع. ولكن هدا لن يحدث إلا بفكّ الارتباط بين السياسة الخارجية المصرية والسياسة الخارجية لكل من الإمارات والسعودية، فلو حدث وأصبحت ليبيا صومالا جديدا على الحدود المصرية الغربية، فالإمارات أو السعودية لن تتضرّر، المتضرّر الأساسي مصر وأمنها القومي.