السويد تتحول بلداً طارداً للاجئين

03 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

مع تصاعد القمع الدموي الذي مارسه النظام السوري على شعبه، بحث السوريون عن مخرجٍ من أوضاعهم المأساوية. أخذت أعداد متزايدة منهم بالبحث عن مخرج في اللجوء إلى الدول الأوروبية، بعد أن أصبح اللجوء إلى دول الجوار أصعب، وأوضاع اللاجئين فيها من سيئ إلى أسوأ. فركب آلاف منهم البحر في مراكب مهترئة، وخاطروا بحياتهم وحياة أولادهم، للوصول إلى ما اعتبروه شط الأمان. لم تكن الرحلة في المراكب المتهاوية سهلة، سواء التي أتت من مصر أو ليبيا أو تركيا، قضى آلاف من اللاجئين في الطرق، في البحر والبر، وعشرات الآلاف ما زالوا يعانون من الرضوض النفسية التي سببها لهم ركوب البحر مع عصابات الجريمة المنظمة، العاملة في تهريب البشر والمخدرات وغيرها. لم تكتب بعد قصص اللجوء وأهوال طرق التهريب ووحشية العصابات العاملة في هذا المجال ووحشية السلطات. تحتاج هذه القصص أن تكتب، لتوثق الآلام الوحشية التي عاناها الضحايا في طريق هروبهم من الموت.
مع بداية هذا اللجوء إلى السويد، وقرار هذا البلد منح اللاجئين السوريين الإقامة الدائمة في نهاية العام 2013، وهو ما منح اللاجئ الحق في الحصول على الجنسية السويدية، بعد خمس سنواتٍ لمن لهم وطن أصلي، وأربعٍ لمن ليس لهم وطن (يصنف الفلسطينيون ضمن هذه الفئة في السويد) من دون اشتراط العمل أو اللغة أو معرفة المجتمع السويدي. بذلك أعطت السويد مؤشرًا قويًا على الترحيب باللاجئين الفارّين من الحرب، كانت الأعداد التي تصل إلى السويد محدودة، لكنها سرعان ما زادت باضطراد، وبلغت ذروتها في العام 2015، حيث وصل إلى السويد حوالي مائة وخمسين ألف لاجئ، أغلبهم من السوريين، وجزء كبير منهم من أفغانستان والعراق.
لم تطل فترة التسهيلات السويدية، سرعان ما تراجعت السويد عنها، وعطلت العمل بقانون الهجرة، ووضعت قانونا مؤقتا متشدّدا. حيث ألغى القانون الجديد الإقامات الدائمة للاجئين، واقتصر على منح الإقامات المؤقتة، ثلاث سنوات للجوء السياسي، وثلاثة عشر شهرًا للحماية الإنسانية، واشترطت على من يريد أن يلمّ شمل عائلته الإعالة، أي أن يستطيع أن ينفق على أسرته من عمله، وبالمبالغ التي تحدّدها السلطات السويدية، ما جعل لمّ الشمل مستحيلاً. كان القرار بمراجعة هذا القانون المؤقت بعد ثلاث سنوات، الذي صادف العام المنصرم، وجدّدت السويد تمديد العمل به لعام إضافي. والذي ينتهي هذا العام. وهذه الأيام تناقش الأحزاب السويدية قانون الهجرة الجديد.

تصاعدت قوة الاتجاهات اليمينية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي يقدّر أن سياسات الهجرة المتساهلة ليس لها قبول في الشارع السويدي

أمل اللاجئون أن يتم تسهيل الشروط في القانون الذي يُناقش، واعتبر بعضهم أن الحكومة التي يقودها الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بزعامة ستيفان لوفين، ستعمل على ذلك، وأن مطالب التشديد تأتي من الأحزاب اليمينية، ناسين أن الحكومة التي منحت اللاجئين حق الإقامة الدائمة كانت حكومة يمين، يقودها حزب مدراتنا اليميني بزعامة فريدريك رينفلت. ومع الانهيار في المفاوضات الجماعية للوصول إلى اتفاق جماعي حول قانون الهجرة، تبين أن ما تقدّم به الحزب الاشتراكي الديمقراطي من اقتراح متشدّد ليس لإرضاء الأحزاب اليمينية، وفي مقدمها ديمقراطيو السويد العنصري، بل هو سياسة الحزب ذاتها التي تتجه نحو اليمين. وجاء الاعتراض من حزب البيئة الذي هدّد بإسقاط الحكومة إذا استمر شرط تحديد سقف عدد طالبي اللجوء، معتبرًا أن هذا غير إنساني، لا يمكن تحدد سقف أن هؤلاء يعانون من أوضاع تستحق اللجوء والحماية، ومن يليهم في العدد لا يستحقها، ولا يمكن تقسيم البشر بهذه الطريقة اللاإنسانية.

شكل اللاجئون الشمّاعة التي علق أغلب الأحزاب السويدية عليها مشكلاتهم المستعصية، ولأنهم الطرف الأضعف في المعادلة الداخلية السويدية

لكن هذا لم يغير من الشروط المتشدّدة التي جاءت في الاقتراحات أقسى من القانون المؤقت، ويبدو أن هذا يرجع إلى تصاعد قوة الاتجاهات اليمينية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، المحسوب على اليسار، والذي بات يقدّر أن سياسات الهجرة المتساهلة ليس لها قبول في الشارع السويدي، ما يؤثر على نتائج الانتخابات في العام 2022، فوضع الحزب أصلًا في تراجع في الشارع السويدي، وحاز في انتخابات 2018 على أسوأ نتائج له منذ العام 1920، ولم يستطع تشكيل الحكومة سوى بامتناع أحزاب من اليمين عن التصويت للحصول على الثقة في البرلمان. وهذه الحكومة اليسارية التي فرضت عليها الأحزاب اليمينية موازنةً يمينية تجعل الحزب اليساري ينفذ سياسة اقتصادية تقشفية يمينية.
شكل اللاجئون الشمّاعة التي علق أغلب الأحزاب السويدية عليها مشكلاتهم المستعصية، ولأنهم الطرف الأضعف في المعادلة الداخلية السويدية، نجد الجميع يهاجم اللاجئين، من دون أن يجد هؤلاء من يدافع عنهم مثلما يحصل في بلدان أوروبية أخرى، مثل بريطانيا وفرنسا، وحتى ألمانيا. وترى أحزاب سويدية عديدة أن تأييد سياسات متساهلة مع اللاجئين سيجعلها تخسر ناخبيها، فهي سياساتٌ غير شعبية، خصوصا وأن نموذج حزب ديمقراطيو السويد العنصري، والذي بنى شعبيته على عداء اللاجئين، ولم يتجاوز نسبة الحسم في انتخابات العام 2010، حصل في انتخابات العام 2018 على حوالي 18% من أصوات الناخبين، والذي تعطيه استطلاعات الرأي اليوم حوالي 24% من أصوات الناخبين، والذي يسبب رعبًا للأحزاب السويدية الأخرى، ويؤشر إلى عنصرية واسعة كامنة في المجتمع السويدي الذي كان يعدّ الأقل عنصرية في أوروبا، والتي سرعان ما عبرت عن نفسها بتأييد الحزب العنصري المعادي للاجئين.

حصل حزب ديمقراطيو السويد، العنصري، في انتخابات 2018 على 18% من أصوات الناخبين، وتعطيه استطلاعات الرأي اليوم 24% من الأصوات

ولم تغير جائحة كورونا من توجهات السياسة السويدية تجاه اللاجئين، وهم الفئة الأكثر تضرّرًا من ناحية الإصابات بالمرض، ومن ناحية زيادة البطالة بينهم بسببه، وهو ما أعاده قادة سويديون إلى جهل هؤلاء اللاجئين، وهو ما عبر عن عنصرية حتى خارج الحزب العنصري، لم تجد هذه الادّعاءات من يردّ عليها، مثلما تم الرد عليها في بريطانيا وأميركا، من أن هؤلاء الأضعف اقتصاديًا في البلد، ويمارسون الأعمال الخدمية التي على صلة أكثر بالتعامل مع البشر، ما يعرّضهم أكثر من غيرهم للإصابة بالمرض، فجل العاملين سائقون للحافلات، والعاملون في منازل سكن الكبار هم من اللاجئين، وهي الأعمال الأكثر عرضةً للإصابة، والأمر لا يتعلق بالجهل والوعي، كما ادّعى خبير أوبئة سويدي.
من الواضح أن قانون الهجرة الجديد الذي سيقرّ خلال أسابيع سيكون تحولًا في سياسة اللجوء السويدية، وستتحول السويد من بلد جالب للاجئين إلى بلد طارد لهم، لأن القانون سيكون من أسوأ قوانين اللجوء في أوروبا. ولذلك استحق نقد رئيس مفوضية شؤون اللاجئين في الأمم المتحدة (UNHCR)، فيلبو غراندي، الذي قال لوكالة الأنباء السويدية إن "تشديد شروط اللجوء طريق محفوف بالمخاطر"، وطالب السويد بوقف منح الإقامات المؤقتة، وطالب بمنحهم الإقامات الدائمة. وأضاف "إن تجربة المفوضية تفيد بأن الإقامات الدائمة هي السبيل الصحيح لإدماج اللاجئين واستقرارهم وتوطينهم في دول اللجوء". لكن السويد اليوم تريد عكس ذلك، هذا ما تقول سياساتها الجديدة.