السوريون وكورونا ويوم العمال

01 مايو 2020
الصورة
يأتي الأول من مايو/ أيار، يوم العمال العالمي، في ظل جائحة كورونا، فيما العمال السوريون وحدهم من بين عمال العالم لا يكترثون للفيروس ولا يأبهون بيوم العمال، فما هم فيه تخطى الجائحة والأوبئة وذكريات النضال. وربما ردد لسان حالهم: إن كورونا أرحم ألف مرة مما نحن فيه من أحزان على غير صعيد. .. قبل أيام، عرض ناشطون فيديو لأحد السوريين في حدود الستين من عمره يشكو وضعه المعيشي، بل أوضاع عموم السوريين (كثيرون عرضوا فيديوهات كهذه)، يتساءل الرجل بلسان غاضب، ونفس أبية مجروحة: ما الذي يمكننا أن نأكله، إذا كانت وجبة الشاي مع الخبز فقط تكلِّف اليوم أربعة آلاف ليرة، وتعرَّض لسعر كيلو الشاي وربطة الخبز، وإلى فقدان الوقود ما يدفعهم إلى الاستعاضة عنه بنفايات يلملمونها من الشوارع؟ (ينتهي الفيديو ببكاء الرجل وانقطاع صوته).
ذلك الرجل وأمثاله من شرائح الطبقة العاملة أو من الفلاحين الفقراء أو ممن أطلق عليهم حزب البعث اسم الكسبة الصغار! وهؤلاء جميعاً حكم حزب البعث باسمهم (من خلفهم الجيش طبعاً)، وباسم الكل استقوى حافظ الأسد، بل استولى، على مقدّرات الشعب السوري، وعلى صوته ونشاطه السياسي. وبالمناسبة، تبين، فيما بعد، أن التأميم لم يكن هدفه، في العمق، إصلاح 
الاقتصاد السوري، ولا تنمية الدولة السورية، ومجتمعها، بل كانت الغاية الاستيلاء على الاقتصاد، تمكيناً للنظام الديكتاتوري الاستبدادي، ولو كانت الغاية غير ذلك، لما تخرَّب الاقتصاد ولما فشلت التنمية، منذ استلم إدارة المعامل المؤممة غير أهلها (كلُّ الإداريين كانوا من الرفاق البعثيين، وأحياناً من ضباط حازوا ثقة حافظ الأسد بدرجاتٍ أقل من القادة الكبار، أو من المتقاعدين). ومعروف أن تلك المعامل كانت تنتج بكامل طاقاتها، وهي آنذاك مفتوحة على النمو والارتقاء. وكذلك فشلت المزارع الكبيرة التي أنشئت بكلف عالية جداً، وإن ساهم الاتحاد السوفييتي السابق بجزء من التكلفة في إطار سياساته المنافسة لأميركا والبلدان الرأسمالية الأخرى. أما وضع العمال جميعاً فلم يكن أفضل مما كانت عليه أيام الحكومات (الرجعية)، على الرغم من كل القوانين التي صدرت لصالحهم، إذ لم يستفد منها غير فئة قليلة شكلت جزءاً من بيروقراطية عامة في جهاز دولة الأسد العميقة. أما ما يسمى القطاع العام وشعار إصلاحه المرفوع منذ أربعين سنة، فقد "شكلت له حكومة عماد خميس لجنة منذ أكثر من سنة وثلاثة أشهر انقضت من دون الوصول إلى أي نتائج، طلب بعدها خميس من اللجنة إنشاء مجموعة "واتساب"، سميت "مجموعة إصلاح القطاع العام الاقتصادي"، تهدف إلى مناقشة وتبادل الآراء والمعلومات".
أما راتب العامل السوري في القطاع العام فلا يتجاوز، في أعلى حد له، 50 دولاراً، وأدناه أقل من 30 دولاراً فقط. توضح ذلك دراسات بأن وسطي الأجر في سورية اليوم لا يتجاوز 36 ألف ليرة سورية (30 دولارا)، بينما تتراوح تكلفة معيشة الأسرة المكونة من خمسة أشخاص تزيد عن 300 ألف ليرة سورية، ما يعني 250 إلى 300 دولار أي أقل بثماني إلى عشر مرات من التكلفة الحقيقية، فإلى أين يذهب هؤلاء، وكيف يؤمّنون قوت عيالهم؟
وجاء في بيان لمنسق الشؤون الإنسانية والإغاثة في حالات الطوارئ، مارك لوكوك، في الأسبوع الأول من مارس/ آذار الماضي: "هناك أكثر من 11 مليون شخص داخل سورية بحاجة للمساعدات الإنسانية، منهم أكثر من أربعة ملايين طفل. كما أنَّ نصف مليون طفل في سورية يعانون سوء تغذية مزمنا". وأضاف: "عدد الناس الذين لا يحصلون على الطعام بلغ نحو ثمانية ملايين شخص، وارتفع في غضون عام بنسبة 20%. وأعداد النازحين الذين يبحثون عن المأوى في أماكن إقامة مؤقتة ومخيمات جماعية ارتفع بنسبة 42% خلال عام واحد، وبلغ 1.2 مليون هذا العام".
صحيحٌ أن بعض العائلات تتلقى سلالاً غذائية في إطار المساعدات الإنسانية، وقليل من الأسر 
تصل إليها مساعدات قليلة من أبناء أو إخوة أو أقرباء في المنافي، حيث يعملون في ظروف أفضل من وضع أهاليهم. ومع ذلك، لا يشكل هؤلاء نسبة كبيرة، كما أن تلك المساعدات لا تسد سوى جزء يسير من الحاجات الضرورية، الأمر الذي يُكرههم على تأجير أنفسهم مقاتلين أو "شبيحة" لدى النظام، أو لدى مليشيات أو عصابات تكاثرت لتغطي الأرجاء السورية. وعلى ذلك، فإن كثيرين من هؤلاء العمال يقتاتون بدمهم كما يقال، حيث يفيد تقرير البنك الدولي للعام 2017 (وقد ساء الأمر في السنوات الثلاث الأخيرة كثيراً) بأن نسبة البطالة في سورية وصلت إلى 53% من حجم القوى العاملة السورية، ما يعني أن أكثر من نصف القوى العاملة السورية عاجزةٌ عن تأمين لقمة عيشها على نحو نظامي أو مشروع، الأمر الذي يدفع كثيرين من هؤلاء للتطوع في الميادين العسكرية! فالحرب التي شنَّها النظام على الشعب، وقابلها تسليح مضاد، دفع أرباب العمل إلى الهجرة، واستطاع بعضهم نقل معدّات عمله التي نجت من السرقة أو التدمير، ليتابع نشاطه في بلدان مجاورة أهمها تركيا. وإذا كان العمال المهجّرون قد لاقوا معاملة مقبولة في تركيا، سواء لدى مواطنيهم السوريين أو في المعامل والورش التركية، فهم في لبنان قد تعرّضوا لمذلات وإهانات، وصلت في أحيان كثيرة إلى حدّ القتل! ولدى العمال السوريين خبرة في ميادين مختلفة، أضف إلى ذلك أن مهنيين خرّيجين كثيرين انضموا إلى سوق العمل في تلك البلدان. وبكلمة أخرى، الوضع مأساوي.
لم تتحسن الأوضاع المعيشية للعمال في زمن حكم حزب البعث أبداً، ربما خرجت من بينهم فئة قليلة تنعمت بجزءٍ يسير مما التهمه "البعث" (البرجوازية البيروقراطية) تحت اسم النقابة أو الجمعية أو الفرقة الحزبية، وما تتمتع به من مزايا. هذا لجهة المعيشة. أما لجهة الارتقاء في مجال التكنولوجيا، حيث أشار كارل ماركس، فقد تراجع نمو الطبقة العاملة النوعي، إذ تدمر القطاع العام الذي أممته الدولة بالكامل، فأين ستنمو الطبقة العاملة؟ على أي شيء يعوِّل النظام في بقائه، وها هي بعض رموز الجرائم تحاكم اليوم في ألمانيا، وهناك قانون سيزر الذي فرض عقوبات على مجموعة كبيرة من الأشخاص السوريين، بينهم بشار الأسد ومستشاروه وقادته العسكريون والأمنيون والسياسيون، وكل من ساعد في قصف المستشفيات والأسواق، ومن فرض الحصار والتجويع على السكان، ونصّ القانون على استمرار المساعدات الإنسانية للشعب السوري، ودراسة جميع الخيارات لمساعدة السوريين المحاصرين، وجمع الأدلة حول كل من ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق السوريين من داخل سورية وخارجها، بمن فيهم الروس والإيرانيون، منذ مارس/ آذار 2011.
أما المفاجآت الأكبر، وربما الأخطر، فمتروكة حتى انتهاء النزاع وهدوء الأحوال، حيث تفتح الصفحات الخاصة، وأهمها صفحة الجيش السوري بخسائره من قتلى ومعاقين وتجاوزات، عندها فقط تكون محاسبة النظام وعصبته!
تعليق: