السودان... نذر الحرب تخيم من جديد على دارفور

06 يونيو 2020
الصورة
اتهمت "حركة تحرير السودان" الجيش باستهداف المدنيين(إبراهيم حميد/فرانس برس)
عادت نذر الحرب لتخيم من جديد على إقليم دارفور في السودان، بعد سنوات من التهدئة سادت قبل وبعد سقوط نظام الرئيس المعزول عمر البشير، مع الإعلان أخيراً عن معارك في الإقليم، وبروز بيانات تصعيدية وأخرى مضادة.
فقد أعلن الوالي العسكري لولاية وسط دارفور اللواء ركن سليمان الأمين، أمس الجمعة، سيطرة قوات من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المنتشرة في الولاية على موقع دفاعي كان في قبضة مجموعتين من حركة "تحرير السودان" بقيادة عبد الواحد محمد نور و"مجلس الصحوة الثوري"، بمنطقة كتروم، في غرب جبل مرة.
وجاء الإعلان بعد أيام من إعلان الحكومة الانتقالية تعرض المنطقة لهجوم من المجموعتين، اعتبرته في ذلك الوقت اعتداءً غاشماً من حركة "جيش تحرير السودان"، فصيل عبد الواحد محمد نور، و"مجلس الصحوة الثوري" الذي يتزعمه الزعيم القبلي موسى هلال، الموقوف منذ عام 2017 من قبل الجيش السوداني.
واعتبر الوالي العسكري للولاية اللواء سليمان الأمين أن الاعتداء خرق واضح لوقف إطلاق النار الذي أعلنته الحكومة الانتقالية كمبادرة لاستكمال عملية السلام.
ومنذ العام 2016، توافقت كل الأطراف السودانية المتقاتلة على وقف لإطلاق النار، وتعزّز ذلك التوافق العام الماضي عقب سقوط النظام السابق، ما أحيا أملاً كبيراً بالتوصل إلى اتفاق سلام مع كل الحركات المسلحة التي كانت تقاتل نظام البشير، وبالتالي وقف الحرب في كل مناطق النزاع.
من جهتها، اتهمت "حركة تحرير السودان" الجيش السوداني وقوات الدعم السريع باستهداف المدنيين في منطقة جبل مرة خلال تلك المعارك، ما أدّى، طبقاً لبيان صادر عنها، إلى مقتل امرأة وطفلة وإصابة 6 آخرين من الأطفال. وحمّلت الحركة مسؤولية تلك الجرائم والتصعيد العسكري والهجوم على المناطق الواقعة تحت سيطرتها للحكومة، مؤكدة التزامها الأحادي بوقف العدائيات، مع استعدادها للدفاع عن نفسها وحماية المدنيين، ورد الصاع صاعين، وفق ما جاء في البيان.
وتُعدّ "حركة تحرير السودان" الحركة الوحيدة التي قاطعت المفاوضات في جوبا التي ترعاها حكومة جنوب السودان منذ سبتمبر/أيلول الماضي، غير أن ذلك لم يقطع خيط التواصل مع الحكومة الانتقالية، حيث أجرى زعيمها عبد الواحد نور لقاءً مباشراً العام الماضي مع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في باريس، وأكد الجانبان مراراً أن التواصل مستمر بينهما.
وبموازاة التصعيد في منطقة جبل مرة بدارفور، تتعثر المفاوضات بين الحكومة الانتقالية وحركات الكفاح المسلح الأخرى التي تتوسط فيها حكومة جنوب السودان، خصوصاً مع التنظيم العسكري الأقوى من ناحية العدة والعتاد، الحركة الشعبية - قطاع الشمال - فصيل الحلو، والتي تتمركز في إقليم جنوب كردفان، بينما توقفت مشاركة "حركة تحرير السودان"، فصيل ميناوي، بعد خلافات مع بقية الحركات التي تكوّن تحالف الجبهة الثورية.
غير أن اللافت في معارك الأيام الماضية هو مشاركة "مجلس الصحوة الثوري"، الموالي للزعيم القبلي موسى هلال، في عمليات ضدّ الحكومة، وبجانب أعداء الأمس. فهلال، الزعيم القبلي، كان موالياً قبل سنوات لنظام البشير، وإن اختلفت مسميات القوات التي يقودها، وهو لعب دوراً أساسياً في المشاركة في العمليات العسكرية في دارفور ضدّ الحركات المسلحة، قبل أن تسوء علاقته مع النظام، ويعلن تمرّده عليه من دون حمل السلاح، لكن لم يكن أحد يتوقع أن يقاتل ضمن الحركات المسلحة، في ما يبدو أنه محاولة من مجلسه الثوري لتحقيق أكبر ضغط على الحكومة الانتقالية حتى تطلق سراحه، علماً أنه يقبع في السجن من دون محاكمة منذ 3 سنوات.
ويحمّل وزير الدولة للدفاع الأسبق، نائب رئيس "حزب الأمة" فضل برمة ناصر، مسؤولية ما يجري من تصعيد لعبد الواحد محمد نور، الذي قال إن لديه أطماعاً شخصيةً غير مفهومة، ويريد من عملياته العسكرية الأخيرة إرسال رسالة للمجتمع الدولي تؤكد وجوده فعلياً على أرض الميدان، وذلك على الرغم من المكتسبات التي حققتها الثورة بسقوط نظام البشير الذي كان يقاتله.

ويقول ناصر في حديث لـ"العربي الجديد" إنه لا طائل من التصعيد العسكري في الوقت الراهن، لا سيما أن المتأثرين هم أهل دارفور، بالموت والتشرد، محذراً من النتائج المترتبة على التصعيد، خصوصاً على عملية السلام، وتعطيل قطار الثورة السودانية.
ولم ينسَ ناصر تحميل الحكومة الانتقالية نفسها المسؤولية، بسبب إستراتيجيتها الخاطئة في إدارة ملف السلام عامة، والمفاوضات في جوبا بصورة خاصة، ويرى أنه لو استمر الوضع كما هو عليه، فإن ذلك لن يحقق السلام، ولن يعالج جذور مشكلات الحرب التي ستعود حتماً بسبب تلك الأخطاء.
لكن القيادي السابق في "تجمع المهنيين السودانيين" محمد الأمين عبد العزيز يستبعد تماماً فرضية اندلاع الحرب في دارفور مرة أخرى، أو حتى في أي منطقة في السودان، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن ما حدث في منطقة جبل مرة مجرد محاولات يائسة من متفلتين من الجانبين، حاولت الحكومة استثمارها لكسب المزيد على طاولة التفاوض في جوبا.
ويضيف عبد العزيز، أن أي جهة ليس في مقدورها الدخول في حرب حالياً، لأنها ستجد نفسها مباشرة في مواجهة مع الرأي العام الذي يراقب التطورات عن كثب، ويتمسّك بشعارات الثورة السودانية بشأن السلام والحرية والعدالة ونبذ الحروب، مؤكداً أن الحالة الوحيدة التي تنتج حرباً جديدة هي المركزية التي يفكر بها "تحالف قوى الحرية والتغيير" الحاكم، الأمر الذي يفرض على الجميع إعلان الحرب على التحالف سياسياً، وفضح أخطائه المتكررة.
تعليق: