السودان من النموذج المصري إلى الفنزويلي

السودان من النموذج المصري إلى الفنزويلي

14 يونيو 2019
الصورة
+ الخط -
إما النصر أو مصر.. هذا كان أحد الهتافات الشهيرة والأولى للثوار السودانيين في ميدان الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم، وهو هتاف يقول، أو يوحي، إن الانتصار لم يتحقق في السودان، وإنه لم يتحقق في مصر أيضاً. وهذا غير صحيح طبعاً، فقد تحقق الانتصار في مصر والسودان، مع إسقاط رأسي النظامين الاستبداديين الفاسدين، حسني مبارك وعمر البشير.أما إسقاط النظام بالكامل، وتأسيس النظام المدني الديموقراطي في دولة كل مواطنيها فأمر مختلف، ويحتاج سنين، وربما عقودا، وهو لا يتحقق فوراً أو بضربة واحدة.
تحقق الانتصار في مصر بالتأكيد، والمشكلة لم تكن في المسار المتّبع منذ 11 فبراير/ شباط 2011 إلى 30 يونيو/ حزيران 2013، وإنما في النهج السياسي الذي اتبعه الإخوان المسلمون، غير أن هؤلاء لم يعترفوا بفشلهم، ولم يجروا أي مراجعة، أو استخلاص للعبر. والنتيجة أن أخطاءهم ومكابرتهم لم تؤثر سلباً على الثورات العربية فقط، مع التعثّر في سورية وليبيا، وإنما لم تنقل لها العبرة والنصيحة الصحيحة بعد اندلاعها متأخرة سنواتٍ عن موعدها، كما حصل في السودان والجزائر، وهي أمور ما كانت لتحصل، لو بقيت عربة الثورة على السكّة الصحيحة في مصر، ولولا النكبة، بل النكبات التي أنزلها "الإخوان" بأنفسهم وبنا.
مثّل إسقاط رأس النظام في مصر انتصارا كبيرا للثورة. ولم يكن المسار مثاليا، إنما مقبولا معقولا وواقعيا، فبعد تحرّكه لإجبار مبارك على التنحي، بات الجيش شريكا في الثورة. ولأسباب تاريخية وواقعية وأمنية، لم يكن ممكنا استبعاده من المشهد، علماً أن المسار، على علاته، سار كما ينبغي، والأخطاء الأساسية ارتكبها "الإخوان" بشكل رئيس، مع قبولهم، بل حماسهم، للخطأ الكارثي، الانتخابات قبل الدستور، من أجل الوصول إلى السلطة بأسرع وقت. على الرغم من ذلك، ومع إجراء انتخاباتٍ وفق دستورٍ خداج أراده "الإخوان" والعسكر، على الرغم من تحذيرات القوى المدنية الثورية، فاز الرئيس محمد مرسي، بفضل تكتل كل قوى
الثورة حوله، بعدما حاز ربع الأصوات فقط في الدورة الأولى. وبعد فوزه بأصوات الثوار مناصفة مع "الإخوان"، تصرف مرسي رئيسا لجماعته، وتجاوز وثيقة فيرمونت التي أوصلته إلى القصر أصلاً، وبادر بعيداً عن رفاقه الثوار، وحتى عن نائبه ووزير عدله، الأخوين مكي، المهنيين المختصين، إلى الإعلان الدستوري الأحادي والكارثي الذي أدّى إلى اندلاع أزمة سياسية كان الجيش مبتعدا عنها إلى حد ما، ولم يرق للإخوان التفاهم مع الجبهة الوطنية للإنقاذ، المعارضة، والذي كان كفيلا، كما قال محمد البرادعي للتلفزيون العربي، في يناير/ كانون الثاني 2017، ببقاء مرسي في الرئاسة حتى الآن، حسب تعبيره، أي إلى حين انتهاء فترته الأولى، وربما حتى الفوز برئاسة ثانية.
كانت مطالب الجبهة محقة تماماً وعادلة وواقعية (وردت تقريباً في وثيقة فيرمونت التي وافق عليها الإخوان المسلمون) تمثلت في تعديل الدستور، تشكيل حكومة كفاءات برئاسة شخصية وطنية، والتوافق على قانون انتخابي عادل، وهي أمورٌ كان يفترض أن تتم كلها في الفترة الانتقالية في أثناء حكم المجلس العسكري والحكومة المدنية، قبل الذهاب إلى الانتخابات، بمستوياتها المختلفة.
الفترة الانتقالية بل الأحرى المسار المعقول شهد اعتقال مبارك ومحاكمته ورجال عهده، ووصاية ميدان الثورة وسطوته على الحياة السياسية والإعلامية، مع رفض تعيين مصطفى الفقي أمينا عاما لجامعة الدول العربية، رفض تعويم رجال العهد السابق، وهي فترة شهدت تشكيل حكومة أقسم رئيسها، ثم مرسي نفسه، اليمين في الميدان.
مع تصاعد الأزمة، انغلق "الإخوان" على أنفسهم أكثر، وباتوا ميّالين للتفاهم مع العسكر على حساب المعارضة السياسية المدنية. وحتى يوم 30 يونيو/ حزيران 2013، حيث سحب من أوصلوا مرسي إلى القصر في الدورة الثانية للانتخابات أصواتهم وثقتهم منه، كانت الكرة بين أيديهم، وفي ملعبهم، لأن استقالة مرسي، والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، كانت تنهي الأزمة، علماً أن مطالب جبهة الإنقاذ في الربيع كانت أقل كلفة على "الإخوان"، وعلى مصر والعالم العربي كله.
بالعودة إلى السودان، فقد تحقق الانتصار إذاً بإزاحة البشير، وانحياز العسكر لمطالب الناس وثورتهم، والمسار الصحيح هو نفسه، كما جرى في مصر، مع تلافي أخطاء "الإخوان المسلمين" طبعاً، وكما يطالب به الثوار الجزائريون، حكومة انتقالية من تكنوقراط، حتى مع وجود المجلس العسكري، والذهاب إلى انتخابات بعد فترة انتقالية معقولة، على أساس دستور جامع، وقانون انتخابي عصري عادل متوازن.
وكما يقول زعيم حزب الأمة، الصادق المهدي، دائماً، بإجبارهم البشير على التنحّي، أصبح 
العسكر شركاء في الثورة، ولا يمكن بالتالي إزاحتهم من المشهد سياسياً وأمنياً، أقله في المدى الانتقالي. أما بناء الدولة المدنية الديمقراطية فعملية طويلة تستغرق سنواتٍ، وربما عقودا، كما جرى في تركيا ويجري في تونس.
تصرّف تجمع المهنيين، مع كامل الاحترام والتقدير لهم، ولقيادتهم، للثورة، مثل الإخوان المسلمين، بنهج التفرّد والإقصاء، ولكن من زاوية مغايرة، فلا يمكن إزاحة العسكر والإسلاميين من المشهد السوداني المركّب، والحل كان وما زال هو نفسه، كما جرى في مصر، وفي السودان نفسه قبل ذلك، من خلال ثنائية الجنرال عبد الرحمن سوار الذهب والجزولي دفع الله في ثمانينيات القرن الماضي.
أكثر من ذلك، وكما حصل فى مصر أيضاً، أدّى تفرّد تجمع المهنيين، بنزوعه إلى الاستئثار والإقصاء، إلى استقواء جهات سياسية واحتمائها بالعسكر، تماماً كما قال قبل أيام إدريس سليمان، أمين السياسة في حزب المؤتمر الشعبي (الإسلامي) الذي أسسه حسن الترابي، بعدما حول المخلوع البشير حزب المؤتمر الوطني إلى حزب سلطوي مستبد وفاسد.
للأسف، أخطاء "التجمع" الفكرية السياسية، وتشخيص قياداته غير الصحيح للواقع المحلي والإقليمي والدولي، أخذا السودان باتجاه النموذج المصري المتعثر، نموذج الفلول والثورة المضادة، مع تكريس الفراغ السياسي المؤسساتي وقتا أطول مما ينبغي، إلا أن جريمة فض الاعتصام، وعلى عكس ما يتصوّر كثيرون، أنهت هذا النموذح، وأخذت البلد باتجاه نموذج آخر، هو الفنزويلي.
ضاق صدر العسكر بالتفاوض والحوار غير المعتادين عليه، وتم إغراؤهم، بل تحريضهم من محور الشر، القاهرة- الرياض- أبوظبي، ومثلث الفلول والثورات المضادة لقمع الثوار، والنتيجة أن جريمة فض الاعتصام، على الرغم من دمويتها، لم تكسر ظهر "التجمع" والثوار، كما أنها لم تنل رضا وتغطية القوى السياسية التقليدية الأخرى التي كانت قد تفهمت، وحتى دعمت، مواقف الجيش وتصوراته تجاه المرحلة الانتقالية وطبيعتها.
والآن، مع ذهاب تجمع المهنيين إلى العصيان المدني، بدا المشهد فنزويلياً بامتياز، حيث الانقسام عميق، ومفتوح على كل الاحتمالات، الشلل الاقتصادي تام أو شبه تام، ووساطات إقليمية ودولية ستتكاثر مع الوقت، وتعرّض الحلول الوسط نفسها التي وضعت على جدول الأعمال منذ إطاحة البشير، انتخابات بإشراف أفريقي دولي في مهلة زمنية قصيرة، وفق الواقع الحالي، أو حكومة تكنوقراط مدنية تشرف على المرحلة الانتقالية، مدنياً وحياتياً، وتجري الانتخابات بعد فترة أطول نسبياً، مع حضور للعسكر فى المشهد، ونقاش حول طبيعته وحجمه.
أما إذا مضى المجلس العسكري منفرداً في خيار الانتخابات السريعة، تحت ذرائع تحسين الأحوال، وإنهاء حالة الشلل السياسي- الاقتصادي وتسليم السلطة للمدنيين، فسنكون أمام غرق أكثر فى النموذج الفنزويلي، مع رفض المعارضة، وحتى قوى أفريقية ودولية، الاعتراف بالنتائج، وما يتمخض عنها من وقائع سياسية ومؤسساتية.
لن يستمر النموذج الفنزويلى طويلاً مع أزمات السودان العميقة والمتعدّدة على كل المستويات. قد يذهب البلد عندها، في أحسن الأحوال، باتجاه النموذج الليبي، في أسوئها باتجاه النموذج 
الصومالي. لذلك لا بد من تدارك الوضع والتفاعل الإيجابي مع الوساطات، بعيداً عن محور الشر والثورات المضادة والثلاثي، من دون التفريط بحق الشهداء، ومن دون إفلات المسؤولين عن فض الاعتصام من العقاب والجريمة ستطيح رؤوسا كثيرة، وهي أخرجت عملياً مخططيها ومنفذيها من المشهد، ولو بعد حين، لكنها لن تطمس الواقع والمنطق، وضرورة تفاهم الثوار والقوى السياسية مع قيادة الجيش على شكل المرحلة الانتقالية، والتوافق على تشكيل حكومة مدنية تشرف على تسيير شؤون البلد، وإجراء انتخابات نزيهة في أقرب فرصة ممكنة، لضمان تسلم المدنيين السلطة بالكامل، وعودة العسكر إلى ثكناتهم، وتولي مهامهم دفاعاً عن أمن الوطن وسلامته، كما ينبغي في أي نظام ديمقراطي رشيد.