السودان: عودة إلى الأسرة الدولية

03 يوليو 2020
الصورة

يعد انعقاد مؤتمر برلين لمجموعة أصدقاء السودان حدثا لافتا، إذ إن مشاركة أكثر من 40 وفداً فيه على مستوى وزراء الخارجية والتعاون الدولي، وحضور ممثلين عن الأمم المتحدة والقيادات العليا للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ورئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، سابقة جديرة بالوقوف عندها. إذ مجرد عقد مؤتمر بهذه المشاركة والعدد المقدر من الحكومات والمؤسسات الدولية والإقليمية، واجتماعهم على صعيد واحد، وفي ظل جائحة كورونا بكل ما ألحقته من شلل في الحياة، وأضرار في اقتصادات العالم، ودفعها نحو حالة من الانكماش، وضع اقتصادات بل ودولا على حافّة الإنهيار، فإن عقده ونجاحه شيء يفوق كل تصور. أي رسالةٍ أراد منظمو مؤتمر برلين إبلاغها إلى العالم، وفي هذا الوقت بالذات؟ وما هي رسالتهم إلى السودان وشعبه؟ 

رسالة المجتمع الدولي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى أن السودان يسير على الطريق الصحيح

لفهم قيام المؤتمر ونجاحه، لا بد من الأخذ بالاعتبار أن ألمانيا هي الدولة المبادرة، والتي أبدت اهتماما وحرصا، وعلى أعلى المستويات، بمجرى الأحداث في السودان وحتى انتصار الثورة الشعبية. وهذا تطور مهم في علاقة ألمانيا بالسودان، إذ ربما كانت الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي اتخذت قرارا مبكرا، وعبر برلمانها (البوندستاغ)، وفور وقوع انقلاب الجبهة الإسلامية للإنقاذ في 30 يونيو/ حزيران 1989، وقضى بمنع أي تعاون اقتصادي أو تنموي مع السودان. وفور انتصار الشعب في السودان، اتخذت ألمانيا تدابير لافتة، بزيارة وزير الخارجية، هايكو ماس، إلى الخرطوم في سبتمبر/ أيلول 2019، وأعلن فيها "التزام المانيا بالمساعدة لإنجاح الحكومة الجديدة". ثم كانت زيارة وزير التعاون والتنمية، جيرد ميلر، الذي حمل معه رسالتين إلى الحكومة المدنية: إلغاء قرار "البوندستاغ"، ما يعني البدء بفتح صفحة جديدة في العلاقة مع السودان، بما في ذلك التعاون الاقتصادي والتنموي، وتخصيص ألمانيا 80 مليون يورو لدعم مشاريع لتوفير فرص عمل للشباب، وخصوصا في مراكز التدريب المهني. ثم توج هذا التوجه الألماني بزيارة الرئيس فرانك شتاين ماير. وكانت هذه الزيارات رفيعة المستوى أقوى رسالة دعم من ألمانيا، بل والاتحاد الأوروبي، إلى الحكومة المدنية في السودان. وكانت زيارة رئيس الدولة رسالة واضحة وقوية، أن ألمانيا حريصة على الدعم القوي والواضح للحكومة المدنية لضمان إنجاح الفترة الانتقالية في السودان، وحماية لهذه الحكومة من أعدائها المحليين من أنصار النظام القديم، وأيضا رسالة إلى المتربصين في المحيط الإقليمي بالسودان، أن ألمانيا جادّة في دعم الاستقرار والأمن والسلام في السودان. وبلغ الحوار السوداني الألماني قمته في لقاء عبد الله حمدوك مع مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل في برلين. ويمكن القول إن الاهتمام الألماني بدعم الحكومة والاستقرار في السودان أمر تشاركها فيه دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وقد أكدت هذه الدول، وفي أكثر من مناسبة، أنه آن الأوان لإتاحة الفرصة لذلك. 

الدعم السياسي في برلين كان الأعلى قيمة من الدعم المادي، خصوصا أنه دعم من الأمم المتحدة التي سبقت برلين، واستجابت لطلب الحكومة السودانية

وقد اعتبر بعضهم، وخصوصا من داخل السودان، مؤتمر برلين فاشلا، بالنظر إلى المردود المالي، أي مبلغ مليار و800 مليون دولار، غير أنه نجح لاعتباراتٍ كثيرة، أهمها السياسية، وفي مقدمتها عودة السودان الظافرة إلى أحضان الأسرة الدولية، واستعادة وضعه الطبيعي بين الأمم. فمثل هذا المؤتمر لم يكن واردا قط طوال العقود الثلاثة التي أمضتها حكومة النظام السابق، فمن رئيس مطارد ومطلوب للجنائية الدولية إلى سياسات باطشة من الدولة تجاه مواطنيها، تسببت في أكبر موجة هجرة ونزوح في تاريخ السودان الحديث، أضف إلى ذلك الفساد المتجذر في جسد الحكومة، ما جعله المانع الأول لتلقي المنح والمساعدات الدولية للشعب السوداني. عاد السودان إلى المؤسسات الدولية والإقليمية التي شاركت في المؤتمر، وها هو مجدّدا دولة طبيعية، تتحاور مع الجهات المانحة والدول والمنظمات الدائنة. وبهذا التجمع، يكون اسم السودان قد رفع عمليا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بدليل أن أكبر الدعم جاءه في مؤتمر برلين من الولايات المتحدة، صاحبة المبادرة في وضع السودان ضمن تلك القائمة.

دعم دولي قوي لحكومة السودان المدنية الانتقالية بقيادة حمدوك

إذن، جاءت رسالة المجتمع الدولي أكثر وضوحا من أي وقت مضى، أن السودان يسير على الطريق الصحيح بقيادة حكومته المدنية، فالدعم السياسي في برلين كان الأعلى قيمة من الدعم المادي، خصوصا أنه دعم من الأمم المتحدة التي سبقت برلين، واستجابت لطلب الحكومة السودانية، وفقا للبند السادس، بدعم عملية السلام والتنمية في السودان، وخصوصا في المناطق التي عانت من الحروب، ثم تلحقها في مؤتمر برلين بمباركة سياسية لعودة السودان رسميا إلى مكانته الطبيعية بين الأمم.

تميزت أعمال المؤتمر بثلاثة جوانب: إظهار دعم دولي قوي لحكومة السودان المدنية الانتقالية بقيادة حمدوك، والحرص على إنجاح هذه الفترة. دعم مالي واسع لبرنامج الحكومة الاقتصادي، في انتظار مخرجات المؤتمر الاقتصادي الذي ستعقده الحكومة بمشاركة الخبراء السودانيين لصياغة لبنات وبرامج وأسس سينبني عليها الاقتصاد السوداني، وتشكل برنامجه للتنمية في السنوات المقبلة. بمعنى أن ما تم في برلين هو الدعامة والذراع المالي، والذي سيتم من خلاله تنفيذ مخرجات البرنامج الاقتصادي للحكومة. ولهذا، ما جرى في برلين خطوة أولى وكبرى على طريق تعافي اقتصاد السودان، والدولة بكاملها، مما لحق بها من عطب وجدب ودمار في العقود الثلاثة الماضية. الأمر الثالث تقديم العون العاجل للسودان لمواجهة جائحة كورونا في ظل انهيار المنظومة الصحية التي ورثتها الحكومة خاوية على عروشها، ودعم البرنامج الاقتصادي الإنعاشي العاجل للحكومة.