السودان.. ثورة في الثورة

04 أكتوبر 2019
الصورة
(1) 
روّج المفكر الفرنسي وفيلسوف الثورات، ريجيس دوبريه، في سنوات ثورته اليسارية المتطرّفة، نظرية الثورة في الثورة، من منطلقات ماركسية، لا تنتظر صحوة البروليتاريا، بل لتنقضّ طلائع المستنيرين الرافضين الظلم لإحداث التغيير المرجو، ذلك ما دفعه إلى إلقاء ثقله الفكري كله وراء الثائر الأرجنتيني الشهير، تشي جيفارا الذي أراد إشعال الثورات بحماسته الثورية، ليس في أميركا اللاتينية وحدها، بل سعى إلى إشعالها في غابات الكونغو في ستينات القرن العشرين.
تلوح، بعد ثورة شعب السودان العظيمة، إشكالية تتصل بحالة الذين ظلوا يعارضون نظام عمر البشير المباد، واستمروا، على الرغم من غياب الرجل وأزلامه، يواصلون معارضة ذلك النظام، وكأنهم يطاردون أشباحاً تأتيهم هلوسات تتخيّلها شخصيات دراما شكسبيرية في حلم ليلة صيف. ولعلّي أراها محاولة لإحداث ثورة في الثورة القائمة.
(2)
معلوم أن نظام البشير برع في اختلاق عداواتٍ وصراعات في داخل السودان، وأن ملايين السودانيين قد خرجوا من بلادهم، ليس لأسبابٍ جاذبةٍ في المهاجر القريبة والبعيدة، بل أخرجوا قسراً لضغوطٍ داخلية طاردة، فاندفعوا إلى الهجرة واللجوء والاغتراب. مجموعات وكيانات سياسية وشبه عسكرية من ولايات إقليم دارفور، وتقيم بعض قياداتها منذ ردح ليس قصيرا خارج السودان، حاربت النظام الإسلاموي ما يقارب العشرين عاما، ولهم سهمٌ معتبرٌ في إنهاك ذلك النظام وإسقاطه في النهاية، غير أن طبيعة ثورة ديسمبر 2018 اختلفت كثير اختلافٍ عن 
انتفاضتي السودانيين، الأولى في عام 1964 والثانية في 1985، ذلك أن حراك السودانيين فيها لم ينحصر في العاصمة الخرطوم، بل استشرى لهيب الثورة في كل أقاليم السودان ومدنه. ونسبةً لتسارع إيقاع ذلك الحراك الشعبي، فقد اضطلعت بقيادته كياناتٌ في الداخل، تجمعتْ في شبه ائتلافٍ ضمّ قوىً مهنيةً وسياسية تقليدية وحديثة، وشكّل ذلك الكيان الفضفاض الذي اتخذ اسم "قوى الحرية والتغيير" قيادة ذلك الحراك الشعبي الذي أسقط نظام البشير، ثمّ بادر في إدارة التفاوض مع القوى العسكرية السودانية التي ساندت الثورة، وانحازت لتدافع عنها، ولعبت دوراً معتبراً في إسقاط الطاغية ونظامه في 11 إبريل/ نيسان 2019.
(3)
في أخريات مراحل التفاوض، برزتْ أصوات الكيانات التي قادت المعارضة المسلحة في الخارج. حركات مسلحة في دارفور، وفي جبال النوبة، وفي منطقة النيل الأزرق. لم يكن مستعجباً أن يكون لهذه القوى المناضلة حيزٌ في ترتيبات النظام الجديد الذي رُتبَ له وفق إعلان دستوري انتقالي، توافقت عليه القوى السياسية، لتدار بموجبه البلاد ثلاثة أعوام بمجلسين، أحدهما سيادي أعلى والآخر تنفيذي وزاري، وضعا من أوجب أولوياتهما تحقيق السلام وإعادة بناء الدولة.
وكان الإنجاز الذي تحقق فاتحة خيرٍ وابتدارٍ لصفحة جديدة في تاريخ السودان، وذلك ما شوهد في أكبر محفل سياسي دولي، برز فيه اسم السودان، حين خاطب رئيس حكومة الثورة السودانية، عبد الله حمدوك، الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولعب دوراً فاعلا في النشاطات المصاحبة، فكأن السودان الذي كان مغيباً طوال الأعوام الثلاثين المنصرمة قد استعاد تلك الروح الضائعة، وأفاق من غيبوبة الإنهاك السياسي الذي بلغ مداه ثلاثين عاماً، تحت رئيسٍ يتسلل عبر مطارات العالم مثل أيّ مجرم فارّ.
(4)
ظل الشعب الثائر في السودان يتطلع ليرى كل كيانات المعارضة في الخارج تضع يدها صادقة في يد حكومة الثورة، والتي لن يتعدّى أجلها الثلاثة أعوام، لتمهّد لتأسيسٍ جديدٍ للسودان الحرّ الديمقراطي، غير أن لقاء باريس بين حمدوك وقائد المعارضة الدارفورية البارز، عبد الواحد النور، لم يكن كما هو متوقع، على الرغم من أن رئيس الوزراء أوضح أنه لقاء شخصيّ وبلا رسميات، وتحت رعاية الرئيس الفرنسي. جاء بيان الحركة التي يقودها عبد الواحد النور معارضاً للترتيبات التي أنجزت في السودان وفق مواثيق توافق عليها أغلب السودانيين، وقال إنه لا يمنحها اعترافا.
طافت بذاكرتي أجواء انتفاضة السودانيين التي أسقطت نظام جعفر نميري في إبريل/ نيسان 
1985، فيما الحرب مشتعلةٌ بين الحكومة في الشمال والحركة الشعبية في الجنوب التي كان يقودها الراحل جون قرنق، والذي لم يبدِ أدنى درجة من قبول الترتيبات التي استجدت في السودان بعد إسقاط نظام نميري، وربما كانت له أسبابه. وإني أميل لتفسيرٍ آخر، فأقول إنّ حركات المعارضة العميقة، والتي تجذّرت في المكان وفي الزمان، قد تجد من العسير عليها القبول، في الوهلة الأولى، بأيّ تغييرٍ لا يد لها فيه، وإن كان يصبّ بطريقٍ غير مباشر في مصلحة تلك الحركة الشعبية المعارضة.
(5)
أجد الموقف نفسه يتبلوَر الآن عند عبد الواحد نور، في إعلان رفضه، من باريس، مرجعيات تلك الترتيبات القائمة الآن في السودان، وهي ترتيباتٌ رمت إلى إعداد البلاد، خلال فترةٍ انتقالية قصيرة، لتأسيسٍ جديدٍ، يرسّخ عبر دستورٍ جديدٍ، للديمقراطية والحريات والعدالة في البلاد. لعلّ السنوات المتطاولة للقوى التي تعارض أيّ نظام سياسي تقلل من التفاعل المرن مع النظام الجديد الذي يقوم على أنقاض ذلك النظام الذي ظلت تعارضه. الأزمة في دارفور، والتي عاشها ويعيشها الكيان الذي يقوده القائد الدارفوري الأبرز، ومنذ نحو عشرين عاما، لها أثرها المتعاظم في صياغة ذلك "المزاج الذهني" المعارض، والذي يتعامل مع واقع الأحداث وتحوّلاتها بقليلٍ من المرونة وكثيرٍ من الاستعصاء. على أن الحكمة تقتضي تفهّم ذلك المزاج والمثابرة على الإقناع والاقتناع، وإبقاء أبواب الحوار مشرعة، للخروج بسلاسة من ذلك "المزاج".
تلك هي الحكمة المرجوّة من النظام الجديد الذي قام في السودان. ثمّة ثورة واحدة دفع الشعب السوداني أثمانها من دماء شباب الثورة، فهل من حاجة لثورةٍ تدخل في الثورة من جديد؟