السنة الأمازيغية في الجزائر: جدل الهوية في مربّعه الأول

11 يناير 2020
الصورة
أحمد صالح بارة/ الجزائر
+ الخط -

يأتي الاحتفال برأس السنة الأمازيغية في الجزائر هذا العام ضمن خصوصيةٍ فرضتها سلسلةٌ من الأحداث والسجالات المرتبطة بالحَراك الشعبي الذي يشارف على دخول سنته الثانية. بدأ الأمر في حزيران/ يونيو الماضي؛ حين حذّر رئيس أركان الجيش الراحل، أحمد قايد صالح، المتظاهرين من رفع أيّةِ أعلامٍ غير العلَم الوطني، ثمّ تلت تصريحاتِه حملةُ اعتقالاتٍ واسعةٌ طاولت نشطاء رفعوا الراية الثقافية الأمازيغية.

فتح ذلك باباً لجدالاتٍ سياسية وأيديولوجية عادت بمسألة الهوية في البلاد إلى مربّعها الأوّل، والتي بدا أنّها حُسمت مع دستور 2016 الذي أقرّ الأمازيغية لغةً وطنيةً ورسمية إلى جانب العربية، وكان ذلك أحدَ مطالب "الحركة الأمازيغية" في نضالها الطويل من أجل الاعتراف بالثقافة واللغة الأمازيغيّتَين منذ الثمانينيات.

استُتبع الدستور بجُملةٍ من الخطوات التي تهدف إلى "ترقية الأمازيغية"؛ من بينها ترسيمُ الثاني عشر من كانون الثاني/ يناير يوماً وطنياً في 2017، وطرحُ مشروع قانونٍ لتعميم وإجبارية تدريس الأمازيغية على المستوى الوطني في السنة نفسها، قوبل برفضٍ من البرلمان، واستحداثُ "الأكاديمية الجزائرية للغة الأمازيغية" في 2018، كهيئةٍ تتولّى "جمع الرصيد الوطني للغة الأمازيغية بكل تنوّعاتها اللسانية، وتوحيد الأمازيغية على كافة مستويات الوصف والتحليل اللساني، وإعداد قاموس مرجعي لها".

غير أنَّ هذا المسار لا يزال يتحرّك بوتيرة بطيئة؛ فـ"الأكاديمية" لم تر النور بعد، بينما لا يزال تدريس الأمازيغية محدوداً، رغم أنه شمل، مع بدء السنة الدراسية الحالية، قرابة ستّة عشر ألف فصلٍ دراسي في أربع وأربعين من أصل ثمانٍ وأربعين ولايةً جزائرية، بعد أنْ كان مقتصراً على مناطق محدودة، وهو وضعٌ يربطه الأمين العام لـ "المحافظة السامية للغة الأمازيغية"، سي الهاشمي عصّاد، في تصريحاتٍ صحافية مؤخّراً، بعدم إجبارية التلاميذ على دراسة الأمازيغية، مُشيراً في هذا السياق إلى أنَّ بعض مدراء المدارس يُعرقلون تدريس هذه اللغة عمداً، داعياً إلى إصدار عقوباتٍ بحقّهم.

وبالعودة إلى رأس السنة الجديدة (2970 بالتقويم الأمازيغي)، يكاد إحياء المناسبة في شقّه الرسمي يقتصر على الجانب الفولكلوري؛ إذ تُظهِر نظرةٌ سريعةٌ على برنامج الاحتفالات التي أُطلقت هذا العام من ولاية تيبازة، غرب الجزائر العاصمة، بأنَّ برامج الفعاليات تنحصر في مهرجاناتٍ للموسيقى الأمازيغية، ومعارض للحرف اليدوية التقليدية مِن منسوجاتٍ وتطريزٍ وخزفٍ وسلالٍ وزرابيَ وأوانٍ فخارية ونحاسية، ومسابقاتٍ في الطبخ والخياطة التقليديّين.

في حديثه إلى "العربي الجديد"، يقول الكاتب والناشط الثقافي يوغرطا حناشي: "طالما قاربت السلطة المسألةَ الأمازيغية من زاوية الفولكلور، وجميعُ القرارات التي اتُّخذت لصالحها، بدءاً بقرار تدريسها ووصولاً إلى ترسيمها لغةً وطنيةً ثمّ لغةً رسمية، كانت، في حقيقة الأمر، تنازلاتٍ سياسيةً قصد التهدئة بعد الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها منطقة القبائل في فتراتٍ متفرّقة".

يضيف حناشي بأنَّ ترسيم هذا التاريخ عطلةً رسمية، في فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، كان أشبه بمحاولةٍ لـ"تأميم" الأمازيغية؛ إذ أصبحت المؤسّسات الرسمية التي كانت تُعرقِل عمل الجمعيات التي تنشط في مجال الثقافة الأمازيغية هي من ينظّم ويُشرف على مختلف النشاطات؛ سواء في رأس السنة الأمازيغية أو في ذكرى "الربيع الأمازيغي"، مُعتبِراً أنّ الهدف في النهاية هو خلق نسخة فلكلورية من الأمازيغية "منزوعة البُعد السياسي"، وهو ما وصفته السلطة نفسُها بـ"إنهاء الاستغلال السياسي لمسألة الهوية".

بالنظر إلى حملات الكراهية التي شهدتها الجزائر في الأشهر الأخيرة ضدّ الهوية الأمازيغية، والتي بدت ممنهجةً في كثيرٍ من الأحيان، توقّع بعضُهم أن تخفُت الاحتفالات الرسمية برأس السنة الأمازيغية هذا العام. لكن ما حدث هو العكس، وهو ما جعل ناشطين على مواقع التواصُل الاجتماعي يُشيرون إلى مفارقةٍ طريفة؛ تتمثّل في أنَّ القضاة الذين أصدروا أحكاماً بحبس متظاهرين حملوا راياتٍ أمازيغية سيجدون أنفسهم في عطلةٍ مدفوعة الأجر خلال هذا اليوم.

يُفسّر حناشي الاهتمام الرسمي الكبير بالمناسبة هذا العام بأنه محاولةٌ من السلطة للتهدئة ومغازلةِ منطقة القبائل وإحداثِ قطيعةٍ مع الممارسات التي حدثت قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة؛ وأبرزها حبسُ المتظاهرين الذين حملوا الرايات الأمازيغية والحملاتُ المعادية للأمازيغية، مضيفاً أنَّ "تلك الممارساتِ أحدث شرخاً كبيراً في النسيج الاجتماعي الجزائري، وجُرحاً لا تكفي هذه النشاطات الرسمية لعلاجه".

مِن جهةٍ أُخرى، يُشير المتحدّث إلى عدم تطرُّق الحكومة الجديدة إلى مصير "الأكاديمية الجزائرية للغة الأمازيغية" التي صادق البرلمان على مشروع قانونها العضوي في حزيران/ يونيو 2018، لكنها لم تبدأ عملها إلى الآن، متسائلاً في هذا السياق: هل سيجري تغيير أعضاء هذه الهيئة، والذين تبيّن أن أغلبهم ليس له علاقة بالأمازيغية؟ أم سيجري حلُّها وإسناد مهامها إلى "المحافظة السامية للغة الأمازيغية"؟

وفي ما يتعلّق بالجانب التاريخي من رأس السنة الأمازيغية، الذي يُعرف أيضاً بـ "ينّاير" و"ناير"، يُشير حنّاشي إلى وجود العديد من المصادر التاريخية التي تُؤكّد احتفال سكّان الجزائر وتونس وليبيا والمغرب بهذه المناسبة منذ القدم؛ من بينها جدارية اكتُشفت في موقع تيسدروس بمدينة الجم (ولاية المهدية في تونس)، والتي يعود تاريخُها إلى الفترة بين 222 و235 ميلادية.

ويوضّح المتحدّث أنَّ الأمازيغ القدامى تبنّوا "التقويم اليولياني" Calendrier julien، الذي يُقدّم إطاراً ملائماً للنشاطات البشرية التي ترتبط بالمراحل الكبرى للحياة الزراعية، مضيفاً أنَّ هذا التقويم يختلف عن التقويم الغريغوري بثلاثة عشر يوماً، وهو ما يُفسّر بداية السنة الأمازيغية متأخّرةً عن السنة الميلادية.

ويلفت حنّاشي إلى أنَّ معارضة الاحتفالات الشعبية برأس السنة الأمازيغية ترتبط غالباً بخلفيات دينية أو أيديولوجية، مشيراً، إلى مفارقةٍ تتمثّل في أنَّ رجال دين مسلمين ومسيحيّين اجتمعوا على معارضة الاحتفالات بالمناسبة؛ مستشهداً برجل الدين المسيحي المتشدّد تارتوليان Tertulien الذي "تُشير مصادر تاريخية إلى أنّه عبّر عن سخطه من الاحتفالات المبهجة التي كانت تُقام كلّ عام في قرطاج في هده المناسبة"، وأيضاً القدّيس أوغوستين Saint Augustin الذي انتقد الاحتفال بـ "عيد اليانياريوس"، أو "يْنّاير"، في كتابه "مدينة الله ضدّ الوثنيين". أمّا عند المسلمين، فيذكر المتحدّث كلّاً من محمد بن وضاح القرطبي الذي اعتبر في كتابه "البدع والنهي عنها" أنَّ تلك الاحتفالات مخالفةٌ للإسلام، وأبو بكر الطرطوشي الذي حذّر من الاحتفال بـ "يناير" في مؤلّفه "كتاب الحوادث والبدع".

المساهمون