السمسار

28 اغسطس 2019
الصورة
عندما كنت صغيراً، وبالتحديد، في سن المراهقة، لفتني مشهد في مسلسل تلفزيوني لأخ يسأل أخته: لو عرض عليكِ أن تقومي بعمل غير مشروع مقابل مال، هل تقبلين؟ فردّت سؤالَه بسؤال: ولو لم تقم به أنت، هل سيقوم به غيرك، أم أن العدالة سوف تأخذ مجراها وينال الجاني عقابا؟ فأجابها نفياََ بأن غيره سيقوم بهذا العمل، ولن يقدّم للعدالة، بل سيجني مالاََ، وسيقوم غيره بمثل ما قام به، وسيمر وقت طويل جداََ قبل أن تصل يد العدالة إلى أحد الجناة الذين أصبحوا أثرياء. هنا ردت شقيقته من دون تردد: إذاً، عليك أن توافق على القيام بهذا العمل.
والحقيقة أن باباََ قد فُتح أمامي من دون قصد. وربما دخلت من هذا الباب بسبب وقوفي أمامه طويلا، فقرّرت أن أدخله، بمجرّد أن فُتح، حتى لو كان يودي إلى الجحيم، فقد كنت أعتقد أنه يودي إلى الجنة، ولكن طول الوقوف، وأخبار من مرّوا به، جعلتني أقرّر أن أدخله وأجتازه، وأتحمّل كل العواقب، حتى أنني قد منحت ضميري إجازة طويلة، بمجرد أن فُتح هذا الباب. وربما تعتقدون أنني قد أُصبت بحالة نفسية تستوجب خضوعي لجلسات علاجٍ نفسي، ولكن الحقيقة أنني قرّرت، كما قلت لكم، أن أمنح ضميري إجازة، وأن أختار أقصر الطرق، وليس أشرفها، للحصول على المال.
عندما وصلت إلى تلك البلد التي تعتبر همزة الوصل بين بلدي وأوروبا أو محطة انطلاق، دفعت كل ما أملك للسماسرة، لكي يدبّروا لي طريقة للوصول إلى أوروبا، حلم كل عربي لم يجد الأمان والحياة الكريمة في بلده. وفي كل مرّة، كنت أتعرّض للنصب من سمسارٍ يأخذ مالي ويختفي، وأبدأ رحلة بحثٍ عنه، سرعان ما تنتهي، حين يبلغني الجميع أنه "فص ملح وذاب"، وأن هذا هو شأن كل سماسرة الموت، وعليّ أن أطلب العوض من رب العباد، فألجأ للعمل أجيراََ ساعات مضنية، حتى أتدبر مبلغا جديدا، أمنحه لسمسار آخر يفعل بي ما فعله سابقه، حتى مرّت بي ثلاث سنوات، وفي كل مرة أتعرّض لعملية نصبٍ أبشع من سابقتها.
ثلاث سنوات، وأنا أقف أمام هذا الباب، أنتظر أن يُفتح لي. وخلال هذه المدة، كنت أسمع أخبارا غير طيبة عمّن مرّوا بهذا الباب، فقلّة من نجوا، وما أكثر من هلكوا مع صغارهم وزوجاتهم، وهناك من عُثر على جثثهم، وهناك من حملوا لقب "مفقودين"، ونسيهم العالم، وانشغل بقضية مفقودين وغرقى غيرهم.
اليوم أصبحت أعمل سمسارا. وبدأت أبيع الكلام والأماني لأمثالي الهاربين من بلادهم، لم يعد يعنيني شيء من أمر هؤلاء المساكين، لأنني كنت مثلهم ذات يوم، كل ما فكّرت فيه هو السنوات الثلاث التي ضاعت من عمري، وأنني وقعت ضحية النصب أكثر من مرة، ودفعت كل ما أملك من مال، وعملت، ليل نهار، لأتدبر مالا جديدا، أدفعه لسمسار جديد. ولذلك، تملّكتني رغبة الانتقام من الحياة، ربما تملّكتني الرغبة في الحياة أيضا، بعد أن سمعت عن الغرقى والمفقودين. ولكنني، في الوقت نفسه، لم أكن أشعر بالرثاء من أجلهم، فكلنا موتى، حين بعدنا عن أوطاننا، وتركنا بلادنا وأهلنا ومراتع طفولتنا.
لم أكن أحتاج سوى للاختفاء في مكانٍ بعيد فترة كافية، حتى يدب اليأس في قلب من حصلت منه على مبلغ من المال، ووعدته بالسفر واختفيت. وكنت أحصل على دفعةٍ مقدّما، بغرض تدبر أمور التهريب على متن سفينة، أو يخت سياحي، ولكنني كنت آخذ هذه الدفعة وأختفي، وفيما كنت أختفي، كنت أعرف أن "الزبون" الذي تحايلت عليه لن يجرؤ على الإبلاغ عني لسلطات البلد، وأنه سيفعل مثلما فعلت بأن يعمل ليل نهار، ليتدبر مبلغا جديدا يدفعه لمهرّب نصّاب، يدّعي أنه يعرف طرقا سالكة، بعيدا عن أعين حرس الحدود. وفيما يعمل هو ليل نهار، كنت أبحث عن ضحيةٍ أخرى، رافعاََ شعار أن القانون لا يحمي المساكين.

دلالات

تعليق: