السلمية المفقودة.. أخطاء الماضي المتكررة

04 يوليو 2014   |  آخر تحديث: 22 يوليو 2020 - 05:54 (توقيت القدس)
+ الخط -

بعد اشتداد تسلط النظام الأسدي، وإهانته عديدين من أهالي درعا، بأفعالٍ أتت على يديه اللتين خبرتا سفك الدماء وإذلال الناس، انتفض الناس، معلنين أنهم ما عادوا يستطيعون سكوتاً بعد اليوم.

الغليان في درعا أدى إلى انفجارات في مدنٍ أخرى، على رأسها حمص وإدلب، وبدا أن المشهد برمته سيتحول ثورة عارمة، تعم سورية جميعها، وتقذف بالأسد ونظامه العفن المهترئ إلى أكثر القمامات قذارةً؛ إلى مزبلة التاريخ كما يقال.

يعلم متظاهرون سلميون كثيرون، في مناطق متعددة من سورية، أنه، وقت خروجهم في المظاهرات، وخصوصاً في الأرياف، كان النظام يقابلهم بأفعال أغرب من إطلاقه النار عليهم؛ فجنوده وضباطه كانوا كثيراً ما يرمون السلاح للمتظاهرين!

لم تنطل هذه الظاهرة الغريبة على جميع المعارضين السلميين، إلا أنها، وللأسف، انطلت على أغلبهم، خصوصاً بعد ازدياد أعداد الشهداء ممن خرجوا في المظاهرات السلمية.

في ذلك الوقت، حضَّر النظام سيناريو خبيثاً، يوقع من خلاله المعارضين الذين كانوا سلميين، في فخ الثمانينيات المقيت، والنظام مدججٌ بالسلاح، فلم لا نرد عليه الصاع صاعين، بل وعشرة أيضاً!

من هنا، بدأت شرارة التحول الجهنمي، من جنة السلمية النقية والطاهرة إلى جحيم التسلح الذي انزلق بعضهم إليه عن جهل، بينما عانقه آخرون لما فيه من إشباع روح الانتقام وتحصيل الأموال الطائلة، بقطع الطرقات والسلب والنهب.

لا شك أن خسارة شخصٍ عزيز، لا سيما إن كان في مقتبل العمر، مثل كثيرين ممن خرجوا في المظاهرات السلمية، في أثناء الشهور الستة الأولى، والتي يمكن توصيفها بشهور الثورة الذهبية، لا شكَّ في أنَّ ذلك يعمي البصر والبصيرة عن رؤية شيء إلا الانتقام، ولكن..

ولكن، يا ترى، هل خرج السوريون للانتقام ممن قتل أهلهم وناسهم، أم خرجوا ثورةً على نظامٍ قمعيٍ باغٍ، وسلبه أبسط حقوق الحياة، الحرية. هنا، يتوجب علينا أن نعيد حساباتنا فيما يتعلق بالأسباب التي دعتنا كسوريين إلى الخروج على من ما يزال بعد كل حمامات الدم يدعي أنه رئيس البلاد الشرعي.

على الرغم من أن كثيرين لا يؤمنون بالشخصنة في كتابة المقالة، أو إقحام الذات الكاتبة في سياق النقاش، إلا أنني أجد نفسي راغباً في تخطي حواجز كهذه، بل وكسرها. شخصياً، لم أشارك في المظاهرات ضد نظام الأسد حزناً، أو رغبةً في الانتقام لمقتل أحد أفراد عائلتي؛ فلم يُقتل من عائلتي المقربة أحدٌ، لا في ثمانينيات القرن الماضي، ولا في بداية الأحداث، على يد مجرمي حزب البعث، وإنما خرجت إيماناً مني، أولاً، بأنَّ لي الحق في ذلك، وتضامناً مع من قضى من معارضي هذا النظام المقيت، وثالثاً رغبةً مني في رؤية سورية حرة تمنحني شعوراً بالانتماء، بدل البحث الدائم عما يشعرني بإنسانيتي في أمكنة أخرى في العالم.

في الأيام والشهور اللاحقة، يتفق معظم المتابعين والكتاب والسياسيين على أن السلمية دامت ستة أشهر، على الرغم من أنني أشكك في صحة ذلك، وبعد تحول الثورة من السلمية إلى الصراع المسلح، والذي تم تدشينه بانشقاقات في صفوف العصابات الأسدية، بدأ حلم سورية الوردي بالتحول السريع والمضطرب إلى كابوسٍ أسود حالك، لا يدري أحدٌ منا متى ينتهي.
سيعارض كثيرون هذا القول، بحجة ان ثورات كثيرة اتخذت من السلاح وسيلةً لها لتحقيق أهدافها، بينما سينبري الإسلاميون للتذكير بآيات الجهاد والرد بالمثل.

بالطبع، لكلٍّ منا وجهة نظر يؤمن بها ويدافع بشراسة عنها، ولنعد إلى تلك الحقبة التي نحاول معظمنا تخطي عارها على الشعب السوري. لنعد إلى حماة وحلب وإدلب، في أيام رفعت الأسد وأخيه حافظ الأسد، لنسترجع كيف حوّل هذا الثنائي الخبيث الغليان الجماهيري في ذلك الوقت، والذي بدأ حراكاً سلمياً شعبياً ضمَّ طلبة ومثقفين عديدين إلى محاولة انقلاب مسلح، يقوم بها إسلاميون متشددون.

جاء التحول بعد العملية الماكرة التي قضت باستخدام ضباط من مدرسة المدفعية للقيام بهجوم على مدرستهم، وإلصاق التهمة بحركة الإخوان المسلمين. لم تكن هذه الخطة لتنجح، لولا انخراط تلك الحركة في التسليح، واعتباره الخيار الوحيد لمحاربة النظام وهزيمته. لكن، النتيجة جاءت مروعة؛ المتظاهرون السلميون عادوا إلى منازلهم، طبعاً من نجا منهم من الاعتقالات والتنكيل، واستمر الصراع المسلح حتى نسف رفعت الأسد وسرايا الدفاع حماه بأكملها، وارتكبوا مجازر عديدة في حلب ودير الزور وجسر الشغور.

تكمن مشكلة التسلح، أولاً، في أنها تلغي دور العصيان المدني والحراك السلمي، لا بل تجتثه من جذوره، إذ لا مكان للكلام في فضاء السلاح. وثانياً في حاجة المقاومة المسلحة للتمويل، والذي لم ولن يأتي مجاناً من أي طرفٍ كان، ونرى، الآن، ذلك جلياً على أرض سورية الثائرة، حيث تحول الصراع داخلها من احتجاجات مطالبة بالحرية والكرامة، إلى صراعات إقليمية، تشترك فيها دول كبرى، مثل روسيا والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، ودول مجاورة من أصحاب المصالح في الصراع في سورية، كإيران والسعودية.

في الختام، أود القول إن السلمية كانت وما تزال الخيار الأكثر صعوبة للشعوب، إلا أنها تمثل الملاذ الوحيد، في رأيي، لأي شعبٍ طامحٍ ليكون حراً بشروطه لا بشروط الآخرين.

avata
avata
محمد حجو (سورية)
محمد حجو (سورية)