السلطة في لبنان بين المكابرة والإفلاس

19 يوليو 2020
الصورة
+ الخط -

"سارحة والرب راعيها".. مثل شعبي قديم، كان يتصدر مقدمة الشاحنات التي تسير على غير هدى، يعبر سائقها طرقاتٍ طويلة ووعرة ومتعرّجة وسط الجبال والوديان، على أمل أن يصل إلى وجهته. هكذا يبدو حال اللبنانيين هذه الأيام، هائمين على وجههم، يعاندون وسط الانهيار الشامل الذي يلفّ البلد على كل المستويات، إلى درجةٍ يبدو معها الهواء ثقيلا، وغير قابل للتنشق! بدءا بانهيار الليرة اللبنانية، وتحول مدخرات اللبنانيين إلى كدسات من الورق، لا تمكّن المواطن من دخول السوبرماركت، والتبضع بما يكفي حاجته اليومية، إلى المصالح الحيوية، الاقتصادية والتجارية، التي تقفل الواحدة تلو الأخرى بالعشرات، ما جعل وسط العاصمة مكانا للأشباح، إلى المستشفيات التي وصلت بها الأمور إلى حد رفض استقبال المرضى، والتي يتهدّد بعضها الإقفال، إلى الغرق في العتمة لانقطاع الكهرباء أكثر من عشرين ساعة في اليوم، بسبب الشح في المحروقات. وأخيرا لا آخرا عودة مشكلة النفايات مجدّدا، لتسمم بيئة بيروت وشوارعها .. وثالثة الأثافي عودة وباء كورونا بقوة، وارتفاع في نسبة الإصابات، مع تخفيف القيود الاحترازية وإعادة فتح أجواء البلد أمام توافد لبنانيي الخارج. 

ما دامت الطبقة السياسية الحاكمة متمسّكة بالسلطة، لا مجال لأي إصلاح، ولا لأية عملية تغيير

العجز يتفاقم، والخزينة مفلسة، والدورة الاقتصادية معطلة، فيما السلطة تتعاطى بخفّة واستهتار، وجهل مطبق بأبسط قواعد تحمّل المسؤولية. رئيس حكومة يعيش هاجس المؤامرة، كأنه خريج أحد الأنظمة العربية البعثية أو القومية البائدة، مبهور بدخوله السراي الحكومي، ومتمسّك بالبقاء فيها، إلى درجة أنه يكرر كل يوم أنه لن يستقيل. ووزراء يجهلون ألف باء السياسة، وكيفية إدارة الشأن العام، يتحرّكون كالروبوتات، ويطلقون تصاريح مكرورة وممجوجة، لا تغني ولا تسمن من جوع. تفاقم الأزمة واستفحالها، وعجز البنك المركزي والمصارف اللبنانية عن المساهمة في إيجاد حلول مالية، وانسداد الأفق أمام أية معالجة داخلية اضطر الحكومة إلى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، للحصول على تمويل، بعد معارضة أولية من حزب الله الذي ما لبث أن تراجع عنها، مع اشتداد العقوبات الأميركية على إيران وعليه. غير أن ضعف الحكومة ومكابرة من يقف وراءها حوّل سبعة عشر اجتماعا عقدت بين الطرفين مضيعةً للوقت، ما اضطر رئيس وفد صندوق النقد المفاوض إلى أن ينتفض ويقول كلاما قاسيا للوفد الحكومي: "لا نستطيع الاستمرار على هذا النحو، لا جدّية في تنفيذ الخطة المالية، ولا جدّية في تنفيذ أي إصلاحات. وإذا لم يكن هناك أي جدّية في هذه الأمور، فلا معنى للمفاوضات التي نجريها". تعكس ردة الفعل هذه محاولة التذاكي التي مارسها الوفد الحكومي، عبر سعيه، أولا، إلى التملّص من الخطة الإصلاحية التي يشترط الصندوق وجميع الدول المانحة تنفيذها، بوصفها شرطا أساسيا ومفصليا للحصول على التمويل. وثانيا محاولة بلف الصندوق، عبر تقليص حجم خسائر القطاع المالي من 240 ألف مليار ليرة إلى 80 ألف مليار. وهكذا بعد مرور أكثر من شهرين على عملية التفاوض، ما زالت الأمور تراوح مكانها. هل الأمر مجرد جهل أو قصر نظر من الحكومة أم أن المراوغة تخفي سعي بعض أطراف السلطة إلى التهرّب من الإصلاحات التي ستكشف أولا مستوى وكمية فساده، وثانيا لأن إصلاح النظام ومؤسساته سيفقده نفوذه وقدرته على التحكّم بآليات التوظيف، وتغليب المحسوبية والزبائنية التي تشكل الركيزة الأساس لبقائه، ولاستمراره في السلطة منذ عقود، غير آبهٍ باللعب بمصير لبنان واللبنانيين. وهنا مكمن بيت القصيد، إذ ما دامت هذه الطبقة متمسّكة بالسلطة، لا مجال لأي إصلاح، ولا لأية عملية تغيير، ولا حتى للإتيان بحكومة مستقلة، تدعو إلى انتخابات نيابية مبكرة، كما يطالب الشارع ومجموعات ثوار ثورة تشرين (2019). 

العجز يتفاقم، والخزينة مفلسة، والدورة الاقتصادية معطلة، فيما السلطة تتعاطى بخفّة واستهتار، وجهل مطبق بأبسط قواعد تحمّل المسؤولية

سرعة الانهيار السياسي والاقتصادي والمعيشي، والبحث عن رغيف الخبز في بعض الحالات وبعض المناطق، ومكابرة الفريق الممسك بزمام السلطة، وضعت شرائح واسعة من اللبنانيين على حافّة المجاعة، وأدخلت اليأس والإحباط إلى النفوس، إلى درجة أن أشخاصا أقدموا على الانتحار في بداية شهر يوليو/ تموز الجاري، ولم يجدوا من يعبر عن أسفه عليهم، ولا حتى الحكومة كلفت نفسها تعزية أهاليهم. أحد هؤلاء الذين وضعوا حدا لحياتهم جعل منه اعتراضا مشهديا صارخا بإطلاقه النار على نفسه، في وسط شارع الحمراء الذي يعج بالحركة وفي لحظة الذروة، وكان قد رفع إلى جنبه علم لبنان، وعلق عليه سجله العدلي الذي يثبت أن "لا حكم عليه"، وعلى ورقة أخرى عبارة "أنا مش كافر"، ثم صرخ قبل ثوان من إنهاء حياته قائلا: "لبنان سيدا حرا مستقلا"، وكأنه أراد القول إن لبنان ليس كذلك.

ومع ذلك، استمرت الحكومة في المماطلة ومحاولة كسب الوقت، في عملية التفاوض مع صندوق النقد، والتي رأى فيها بعضهم مناورة من حزب الله، لممارسة الضغوط على الولايات المتحدة، احتجاجا على "قانون قيصر" الذي ضاعف الحصار ليس على النظام السوري فحسب، وإنما أيضا على لبنان، وتحديدا على حزب الله الذي يمسك بالحدود والمعابر غير الشرعية، وبكل عمليات التهريب بين لبنان وسورية، غير أن الإدارة الأميركية ضاعفت من تصعيدها وممارسة ضغوطها السياسية والاقتصادية بزيادة العقوبات، وبالتحذير من أي تعامل مع النظام السوري يشكل مخالفة لـ"قانون قيصر"، مثل الكهرباء التي يتزوّد لبنان ببعض حاجته منها من سورية، بالإضافة إلى تزويد الأسد بالمحروقات، وبكل ما يعود عليه بالربح، ويغذّي بقاءه في السلطة. ولكن الرد الأهم والأقسى جاء من وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، الذي أكد أن لا تمويل من صندوق النقد، ولا مساعدات، إذا لم تنفذ الحكومة الإصلاحات، ويتم إبعاد حزب الله عن الحكومة! علما أن قرارا كهذا هو في النهاية في يد حزب الله نفسه.

الضغط الشعبي والانسداد في الداخل وفشل المناورات مع الخارج عوامل عمقت مأزق السلطة وإفلاسها السياسي

الضغط الشعبي والانسداد في الداخل وفشل المناورات مع الخارج عوامل عمقت مأزق السلطة وإفلاسها السياسي، ما دفعها إلى محاولة العودة إلى الحظيرة العربية، بحثا عن دعم مستحيل بعد الانحياز الكامل لـ"محور الممانعة" الإيراني في المنطقة، منذ انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية في أكتوبر/ تشرين الأول 2016، فإذ برئيس الجمهورية يكلف مدير الأمن العام اللواء عباس إبراهيم "رجل المهمات الصعبة"، والمقرّب من "الثنائي الشيعي"، بمهمة مبعوث رئاسي إلى أمير الكويت، ترافقه إشاعة حصوله على وديعة كويتية بملياري دولار، إلا أن إبراهيم يعود من الكويت خاوي اليدين، ثم تتصدّر الأخبار قرب زيارته العراق ثم السعودية التي يحاول التمهيد لزيارتها عبر زيارته السفير السعودي في بيروت، وإعلانه من عنده أن "السعودية هي الشقيق الأكبر"، طمعا بدعمها المالي، علما أن الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، واظب، في خطاباته، على شتم السعودية ودول الخليج. كما أن رئيس الجمهورية كان قد أكد، أكثر من مرة، وتحديدا خلال عودته من زيارة رسمية إلى السعودية، إن الدولة بحاجة لسلاح حزب الله، لأن الجيش اللبناني ما زال ضعيفا وغير قادر أن يدافع عن لبنان! ناهيك عن رفض رئيس التيار العوني ووزير الخارجية السابق، جبران باسيل، صهر رئيس الجمهورية، إدانة اعتداء المليشيا الحوثية في اليمن على السعودية، ومخالفته أكثر من مرة التضامن العربي في مواجهة سياسة التدخل الإيرانية. 

أما الإسفين الذي تلقّاه حزب الله، أخيرا، فقد جاء من البطريرك الماروني، بشارة الراعي، الذي جاهر لأول مرة بـ "هيمنة حزب الله على الحكومة اللبنانية، وعلى سياسة الدولة، بسبب تدخله في الحروب في الخارج، وانحيازه لسياسات ودول خارجية". ولم يوفر الراعي عون من سهامه، مطالبا بـ"تحرير قرار الشرعية وسيادة الدولة"، داعيا الدول الصديقة إلى ضمان ما أسماه "حياد لبنان الإيجابي، حفاظا على وحدته وتنوعه والتزامه، في الوقت نفسه، بدعم قضية فلسطين".

الأشهر الأربعة التي تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية الأميركية ستبقي لبنان، على الأرجح، في دائرة هذا التجاذب الحاد، إذا لم تنهار الحكومة تحت عبء الأزمة وضغط الشارع!