السلطة الفلسطينية والمساعدات

السلطة الفلسطينية والمساعدات

08 يناير 2018
+ الخط -
لم يكن قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قطع المساعدات المالية الأميركية عن السلطة الوطنية الفلسطينية مفاجئًا لأحد، لا سيما وأن إدارته استخدمت أسلوب الابتزاز المالي مع السلطة مرات عدة، ولها تاريخ طويل في ذلك. وبالإضافة إلى قرار ترامب، من المتوقع أن يوقف الاحتلال الإسرائيلي تحويل أموال الجمارك والضرائب التي يجبيها من البضائع المستوردة إلى فلسطين.
وللإدارة الأميركية والاحتلال الإسرائيلي وبعض الدول الأوروبية تاريخ طويل في أسلوب الابتزاز المالي للسلطة الوطنية، بغرض إخضاعها وجعلها تسير وفق الطريق المحدد لها وتطبيق كل المتطلبات منها، فمثلًا تم إيقاف تحويل الأموال إلى السلطة بعد اتفاق المصالحة في مكة، وبعد الإعلان عن تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة سلام فياض، وبسبب هذا الضغط انهارت الحكومة واتفاق مكة، وأُخرجت حركة حماس، ثم عاد ضخ الأموال مرة أخرى.
والمشكلة فلسطينية من الأساس، لأن المفاوض الفلسطيني كان يعلم جيدًا أن الاتفاقيات الاقتصادية والمالية التي تشكلت بعد اتفاقي أوسلو وباريس الاقتصادي، تعد مثل حبال مشنقة ملفوفة حول رقاب الشعب الفلسطيني بأكمله، ومن يفعل ذلك ويوقع الاتفاقيات يؤكد أنه يثق ثقة عمياء بالطرف الآخر. ولكن ليس لديه ألبتة أية مسؤولية وطنية، لذلك وضع لقمة عيش شعبه في يد الآخرين بكل نيات حسنة، على الرغم من أن المعروف لجميع السياسيين والعسكريين في العالم أنّ المفاوضات لا يوجد فيها أصدقاء أو حلفاء.
على الرغم من ذلك، لم تتوقف السلطة لبحث الموقف الفلسطيني، بل استمرت في معاندة الأصوات المعارضة لها، واستمرت في زيادة أعداد الموظفين، وأنشأت إدارات عديدة أكثر مما يحتاجه الفلسطينيون، وهؤلاء الموظفون يعتمدون، كليا، على المساعدات المالية الخارجية التي تقدمها الإدارة الأميركية والاحتلال الإسرائيلي من الضرائب وبعض الدول الأوروبية، إذ أصبحت المساعدات تشكل أقوى عناصر الضغط على السلطة الوطنية، في حال خرجت عن المسار الأميركي الإسرائيلي المحدّد لها.
وعلى الرغم من هذه الخطايا، استمرت السلطة بأسلوبها من دون الاستماع لأحد، وفتحت أسواق الداخل المحتل للبضائع المستوردة من الدول الصناعية والمنتجة، كتركيا والصين والهند وأميركا وأوروبا، وهذا ما أدى إلى تراجع المنتج الوطني وتعطيل آلاف من عمال فلسطين، والنتيجة كانت رفع أعداد المواطنين الذين يعتمدون كليا على أموال السلطة التي تحوّل من الخارج وتدمير آلاف المواطنين العمال الذين كانوا ينتجون ويعملون في فلسطين، كما أنّ المكاتب المكيّفة أصبحت المكان الأمثل لمطالبة المواطنين بالعمل الجاد والجد والاجتهاد ومقاومة الاحتلال بكافة الطرق السلمية الشعبية.
تصريحات الرئيس الأميركي وتهديداته بقطع المساعدات عن السلطة الوطنية ليست جديدة، فالدولارات الأميركية والأوروبية التي يتم ضخها لم تكن في أي يوم صدقة أو منة، بل هي من أقوى عناصر الضغط التي تستخدمها الإدارة الأميركية كلما خرجت السلطة عن المسار الذي حدّده الاحتلال الإسرائيلي، وهي أيضًا مكافأة لسلطةٍ تنازلت عن وطنها، وقبلت بحدود عام 1967.
والحل لمواجهة هذه المشكلات والمعاناة التي وضعتنا بها اتفاقيات أوسلو وباريس هي وقف المساعدات المالية، وبالتالي سيتوقف تلقائيًا ابتزاز أميركا السلطة، كما أن السلطة ستستطيع بعد ذلك الخروج عن المسار الإسرائيلي المحدّد، وسيبدأ المواطنون المعتمدون كليا على الأموال الوظيفية الخارجية بالبحث عن أعمال حرة من خيرات فلسطين وتجارتها، فالمعروف والثابت أنّ الدول التي تعتمد على المساعدات المالية تعتاد الاعتماد والتوكل على الآخرين، وبالتالي إذا كان شعب فلسطين تعوّد على الكسل والاعتماد فإنه سينفرط ويتدهور أخلاقيًا ويتفكك، وتصبح العلاقات بين المواطنين والسلطة قائمة على الخوف والشك المتبادل وعدم الثقة.
وقبل اتفاق أوسلو أيضًا، كانت بعض الدول العربية تضخ الأموال لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومن يستجدي الدول العربية والإسلامية بعد قرار ترامب وتهديداته من أجل ضخ الأموال مرة أخرى للسلطة سيبقى يستجدي طويلًا، ولن يجد من يسمعه، لأن الدول العربية لن تجرؤ أن تساعد السلطة وتضخ الأموال، كما أنه ليس من البسيط ولا السهل أن تساعد الدول العربية بالأموال، وهي متشابكة بنظام عالمي مالي مراقب من الأجهزة الأمنية في أميركا.
A489CE6B-94CB-449F-B031-F266CF1FCD44
عبدالله حازم المنسي (فلسطين)