السلطة السياسية والمجتمع المدني في المغرب... إشكالية الكمّ والجودة

07 مايو 2014
أنتج المجتمع المدني المغربي حركة 20 فبراير (فرانس برس/GETTY)
+ الخط -
وصف تقرير دولي جديد أنجزه أخيراً معهد الدراسات الدولية ومنظمة "التنمية وأرض التضامن" غير الحكومية في فرنسا، المجتمع المدني المغربي بـ"ضعيف الفعالية نسبياً من حيث القدرة على التعبئة والمبادرة تجاه سلطة الدولة".

وصنّف التقرير، المجتمع المدني المغربي، في المرتبة 31 بين 41 دولة في العالم شملتهم الدراسة، بينما رأى أن المجتمع المدني في لبنان هو الأفضل في العالم العربِي، بينما جاءت الجزائر في آخر الترتيب.

وعلى الرغم من الترتيب "المتدنّي" للمجتمع المدني المغربي، فإن هذا التقرير لم يغفل ذكر العديد من المزايا التي يتميز بها المغرب لنواحي حيوية النسيج المجتمعي النشيط في البلاد، إذ تمّ العمل على ملفات اجتماعية ساخنة كالمرأة والتعليم وغيرهما.

وأفاد التقرير الدولي بأن المجتمع المدني في المغرب، ساهم بشكل وافر في حصول المغربيات على بعض حقوقهن، من خلال سن مدونة "قانون الأسرة"، ومراجعة الدستور سنة 2011، فضلاً عن النشاط الملحوظ في تنظيم التظاهرات والاحتجاجات المطالبة بالعدالة الاجتماعية.

إشكالية الكم والجودة

يقول أستاذ الحياة السياسية في جامعة مراكش، الدكتور إدريس لكريني، لـ"العربي الجديد"، إن المجتمع المدني المغربي شهد في العقدين الأخيرين، طفرة كبيرة على المستوى الكمي بخصوص طبيعة الاهتمامات الحقوقية والتنموية والبيئية. ويشير لكريني إلى أن "تطور المجتمع المدني لم يُوازيه تقدم كبير في الجودة واحترافية الأداء عموماً"، مضيفاً أن هناك إكراهات فرضها المحيط السياسي والاجتماعي الذي لم يستوعب بعد أهمية المجتمع المدني، علاوة على ضعف الإمكانيات والتشريعات التي تؤطر عمله".

واستطرد المحلل بأن أجواء الحراك إقليمياً ومحلياً، سمحت بانتعاش المجتمع المدني كإطار لترسيخ الممارسة الديمقراطية أفقياً وعمودياً، فأصبح حاضناً للأفكار الطامحة للتغيير، وفضاء لتداول الأفكار، ومواكبة التحولات والسياسات، وقناة للمرافعة والضغط".

ويلفت لكريني إلى أن تطور أداء المجتمع المدني في المغرب تجاه ترسيخ قيم المواطنة والمساهمة في النقاشات العمومية، وتأدية دور الوسيط البناء بين المجتمع والدولة، لا يمكن أن يتأتى إلا عبر اعتماد الاحترافية والتكوين المستمر، وابتداع طرق إستراتيجية في التمويل".

وشدّد على أن "تطور المجتمع المدني المغربي، يرتكز على اعتماد الشفافية والديمقراطية والتطوعية والإنسانية في الأداء، والرهان على فعالياته تظل مرتبطة بتوفير بيئة قانونية واجتماعية واقتصادية وثقافية حاضنة له".

المجتمع المدني والسلطة

ومرّت علاقة المجتمع المدني المغربي بالدولة، بمراحل عديدة مختلفة بين الاصطدام والتنفس والاحتواء والضغط، فبدأت الجمعيات تتشكل في البلاد خلال سنوات السبعينيات من القرن الماضي، لتجد نفسها في مواجهة مع السلطة التي لم تستسغ وجود جمعيات ذات توجه يساري في تلك المرحلة.

وارتبطت الجمعيات المدنية خلال السبعينيات، بالإيديولوجية اليسارية التي وجدت نشأتها في البلاد متأثرة بالأحزاب اليسارية والاشتراكية في حينها، كما تميزت بنضالاتها وأنشطتها الحقوقية التي واكبت الصرامة التي جوبهت بها الأحزاب اليسارية والمعارضة السياسية آنذاك.

ومنذ أواخر ثمانينيات القرن الفائت، تغيّر تعاطي الدولة مع المجتمع المدني من منطق المواجهة والصد، إلى سياسة التنافس من خلال خلق السلطة لجمعيات تابعة لها، حتى تشكل نواة توازي المنظمات القائمة، ودعمتها لهذا الغرض بإمكانيات مادية ولوجستيّة كبيرة.

وفي سنوات التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، تنبّهت الدولة إلى استحالة القضاء على مجتمع مدني مغربي صار قائماً بذاته، فعمدت إلى سياسة احتوائه من خلال دفعه للمشاركة في سَنّ برامج ومخططات حكومية، ومنحه الفرصة للحضور الرسمي والإعلامي في البلاد.

وتطور المجتمع المدني المغربي ليصبح له سمعة في السنوات القليلة الماضية، ابتداء من دفعه الدولة إلى سن قوانين تستجيب لمطالب العديد من المنظمات، خصوصاً في مجالات المرأة والأسرة. كما استطاع، من خلال حركة شبابية هي حركة 20 فبراير، أن يفرض على الدولة إطلاق إصلاحات سياسية ودستورية إبان الانتفاضات العربية.

مجالات الحراك

وبالرغم من كون التقرير الدولي اعتبر المجتمع المدني في المغرب، ضعيف الفعالية، غير أن عدداً من الأنشطة والفعاليات والاحتجاجات التي قامت بها تجمعات مدنية، آتت أكلها، ودفعت بالسلطات إما إلى التراجع عن قرارات معينة، أو الاستجابة لمطالبها الاجتماعية والسياسية.

ولعل أبرز المحطات التي ظهرت فيها قوة المبادرة لدى فئات من المجتمع المدني المغربي، المطالب التي رفعتها منظمات حقوقية نسائية بخصوص إقرار عدد من الحقوق للمرأة داخل الأسرة، ومنع تعدد الزوجات، واحترام الذمة المالية للزوجة، علاوة على مطلب المناصفة بين الجنسين.

وبرز المجتمع المدني قوياً أيضاً قبل فترة، من خلال واقعة العفو عن مغتصب اسباني للأطفال كان محكوماً عليه في أحد سجون مدينة القنيطرة بعشرين عاماً، فتم إصدار عفو ملكي عنه، لكن فعاليات مدنية هبت للاحتجاج بشكل قوي على القرار، فتراجع الملك ليسحب العفو عن المغتصب الاسباني.

وبالمقدار نفسه من القوة في طرح المطالب الاجتماعية ذات الشق الحقوقي، استطاع جزء كبير من المجتمع المدني في المغرب، أن يدفع الحكومة إلى إقرار بعض القوانين، من قبيل قانون منع الزواج بالمغتصبة، أو التفكير في اعتماد قوانين جديدة، مثل تجريم تشغيل الأطفال أو الزواج بفتاة لم تبلغ بعد سنّ الـ 18 عاماً.

دلالات