السلاح في العراق... مسموح حسب الطائفة والحزب والهوية الإثنيّة

11 ديسمبر 2016
الصورة
اتهام "الحشد" بسحب الأسلحة من المواطنين (أحمد الربيعي/فرانس برس)
+ الخط -
على غرار عشرات القوانين التي صدرت في العراق بعد احتلال البلاد، فإن تطبيق قانون حيازة المواطنين السلاح يخضع إلى التمييز الطائفي، أو حتى القومي وحتى الحزبي. وتزداد شكوى حقوقيين وعناصر أمن في وزارة الداخلية العراقية، إزاء وجود ما يصفونه "بالانتقائية في التعامل مع القانون رقم 13 الخاص بحيازة الأسلحة" بحسب طائفة العراقي وقوميته، إذ يبدو أن القانون معطل بشكل كامل في جنوب العراق وأجزاء من وسطه، وفاعلاً على شكل واسع في شمال وغرب البلاد، بينما يبدو القانون في المناطق المختلطة "منافقا" وفقاً لوصف القاضي السابق في محكمة جنايات الرصافة، بهاء عمران، الذي أكد أن العيب ليس في القانون بل في طريقة تنفيذه "الطائفية"، حيث تستثنى طائفة من سحب السلاح وتجرد الأخرى من أي سلاح، حتى لو كانت سكين مطبخ حادة.

وتوجه اتهامات إلى قوات الجيش والشرطة ومليشيات "الحشد الشعبي" بتنفيذ عمليات دهم وتفتيش واسعة في مناطق شمال وغرب العراق، لسحب ما تسميه الأسلحة غير المرخصة من المواطنين، وتشمل الأسلحة المتوسطة والخفيفة، ووصلت أخيراً إلى مصادرة بنادق الصيد، بينما تتغول ظاهرة حمل السلاح في جنوب العراق، لتتجاوز الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، إلى تخزين القاذفات والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى والرشاشات الثقيلة المثبتة على الآليات، انتهاء بالألغام والمتفجرات. وهناك نحو 10 أسواق لبيع وشراء السلاح في جنوب العراق، بينما توجد نحو 60 صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، من "تويتر" و"فيسبوك"، لعرض قطع السلاح وبيعها أو شرائها، وسط صمت حكومي مطبق، واتهامات بأن متنفذين في وزارة الداخلية العراقية والأحزاب السياسية يديرون تلك الأسواق، حيث تدر ربحاً يضاهي تجارة المخدرات في كثير من الأحيان.

وشهدت أولى عمليات تجريد السلاح الشخصي للمواطنين عام 2004 على يد القوات الأميركية في محافظات شمال وغرب البلاد، فضلاً عن مناطق الكرخ في بغداد التي يغلب عليها لون طائفي معين. وتوالت بعدها العمليات بشكل كبير لسحب السلاح خلال فترة حكم رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، ووصلت إلى سحب سلاح أبناء القبائل في الأرياف والقرى، ثم قوات "الصحوة" المناهضة لتنظيم "القاعدة" رغم انتشار الجماعات الإرهابية التي كفرت فئات كثيرة من سكان المناطق السنية بتهم مختلفة، مثل العمل في الأجهزة الأمنية أو الحكومية والانتماء إلى الحزب الإسلامي (جناح جماعة الإخوان المسلمين في العراق)، أو رفض العمل والتعاون مع "القاعدة" ومن بعدها تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، عدا عن عصابات السطو المسلح والجريمة المنظمة.

ويعزو "مركز دراسات بغداد الأمنية" أحد أسباب سقوط المدن سريعاً بيد "داعش" لتجريد المواطنين وأبناء القبائل من السلاح، في وقت انهار الجيش العراقي وشهد حالات فرار جماعية أمام مقاتلي التنظيم. ويقول عضو المركز، محمد الفلاحي، لـ"العربي الجديد"، إن "سياسة تطبيق القانون لا تسري على كل الطوائف، وهذا معروف، ولا يمكن لأحد إنكاره، لكن تلك المناطق باتت مناطق يسيل لها لعاب العصابات المنظمة، فتدخل المنزل وتسرق، وهي تعلم ان صاحب الدار لا يمتلك ما يدافع به عن نفسه". ويضيف "في الوقت الذي نجد فيه الحكومة وقواتها تغض الطرف عن مناطق ومحافظات، بات السكان فيها يمتلكون أسلحة متوسطة وفي بعض الأحيان ثقيلة، فإن هناك من يتم اعتقاله بسبب بندقية صيد، والذريعة أنها قابلة للتحويل إلى سلاح قنص، أو أنها تقتل على مسافة 20 متراً، لذا تعتبر سلاحاً ممنوعاً. وطاول الأمر حتى بعض الأسلحة الأثرية التي لا يتوفر لها أية ذخيرة".

وكشفت مصادر أمنية عراقية في تصريحات، لـ"العربي الجديد"، أن "ظاهرة بيع مختلف أنواع الأسلحة، من الخفيفة وصولاً إلى المتوسطة والثقيلة، باتت منتشرة وبشكل كبير في جنوب العراق ووسطه، وهي تتم تحت أعين الشرطة والجيش". ووفقا للمصادر ذاتها فإن تجارة السلاح في تسع محافظات عراقية، هي البصرة وكربلاء والنجف وذي قار والمثنى وبابل والقادسية وواسط وبغداد، تقدر بأكثر من مليون دولار شهرياً، وتشمل مختلف أنواع السلاح، من بينها الأميركي الحديث الذي تتم سرقته أو تسريبه من مخازن الجيش إلى تجار السلاح، والزبائن في العادة تجار إيرانيون. ويشتهر العراقيون باستخدام السلاح الخفيف والمتوسط في أفراحهم وأحزانهم. وتحوي غالبية المنازل في المحافظات قطعة سلاح واحدة على الأقل، حتى بات من الضروري أو البديهي أن يكون هناك سلاح في المنزل بسبب ما مر بالبلاد خلال العقود الخمس الماضية. ويضع القانون العراقي شروطاً محددة لاقتناء الأسلحة، إذ يتطلب الحصول على موافقة رسمية. وبحسب القانون رقم 13 فإنه لا يجوز استيراد أو تصدير الأسلحة الحربية وأجزائها وعتادها، أو حيازتها أو إحرازها أو حملها أو صنعها او إصلاحها أو نقلها أو تسليمها أو تسلمها أو الاتجار بها. ويجب أن يخضع السلاح الناري، وهو المسدس والبندقية وبندقية الصيد، لتصريح باقتنائه، فيما يستثني الأسلحة الأثرية والتذكارية والرمزية من أحكامه.

ويقول القيادي في جبهة الحراك الشعبي، محمد عبد الله، إن سكان شمال وغرب العراق لا يحصلون على رخصة حيازة سلاح خفيف، حتى وإن قدموا طلباً قانونياً، لكن غيرهم يملك أسلحة ثقيلة، ويتجول بالمتوسطة والخفيفة، من دون أن يحتاج أصلاً إلى موافقة الحكومة أو رخصتها. ويضيف، لـ"العربي الجديد"، أن "هناك تمييزاً طائفياً في تطبيق القانون، وكله تحت خانة الإرهاب، كما يقتل اليوم الكثير تحت هذا الشعار". ويقول الخبير الأمني العراقي، عادل الدليمي، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "سوق الأسلحة في العراق تُعتبر واحدة من أكثر الأسواق التي تشهد ارتفاعاً في حجم التبادل، وأكثرية السلاح يدخل عبر الحدود الإيرانية، نظراً إلى أن إيران تمتلك مساحات حدودية كبيرة مع العراق. وتنشط أسواق بغداد والبصرة وإقليم كردستان العراق، وهناك وسطاء وتجار دوليون يرتبون عمليات البيع والشراء والنقل وآليات إدخالها إلى العراق لتسليمها إلى الموردين". وتابع إن "ظاهرة انتشار السلاح تعتبر كارثة اجتماعية، والآن بدأ الكثير بملامستها، خصوصاً في النزاعات العشائرية شبه اليومية التي تحدث في جنوب العراق، مما يؤدي إلى مقتل وإصابة العشرات، فيما تعجز الشرطة عن التدخل، فبعض العشائر والبيوت تمتلك سلاحاً يضاهي ما هو موجود لدى الشرطة".

المساهمون