السقوط المحتمل للاتفاقية النووية مع إيران يهدّد الدور الأوروبي كلاعب دولي

09 يوليو 2019
الصورة
مخاوف من انهيار الاتفاق النووي الإيراني (قاسم غاني/فرانس برس)
على الرغم من تأكيد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية عباس موسوي في الساعات الأخيرة أنّ بلاده لم تتخذ بعد قرار الانسحاب من الاتفاق النووي، الموقّع عام 2015 مع الدول الكبرى، إلا أنّ انهياره يبدو وشيكاً إذا لم ينجح الحراك الدبلوماسي الأوروبي في إنقاذه. وتترقب طهران وصول كبير مستشاري الرئيس الفرنسي إيمانويل بون، اليوم الثلاثاء، في زيارة تستغرق يومين وتأتي في إطار مساعٍ فرنسية لإنقاذ الاتفاق. وأعلنت الرئاسة الفرنسية، أمس الاثنين، أنّ زيارة بون تهدف إلى "التخفيف من حدة التوتر" حول الملف النووي.
ويأتي الحراك الفرنسي بعد يومين على بدء إيران بتنفيذ المرحلة الثانية من تقليص تعهداتها النووية، والتي بموجبها تخطت عتبة الـ3.67% في تخصيب اليورانيوم، وهو الحد المسموح به في الاتفاق النووي. وقد أعلنت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أنّ إيران تجاوزت بالفعل هذا الرقم، لتصل النسبة إلى 4.5% صباح أمس الاثنين.
وترى صحيفة "فورين بوليسي" الأميركية نقلاً عن خبراء، أنّ الإعلان الإيراني الأخير عن خرق الحدود المسموح بها لتخصيب اليورانيوم لا يشير فقط إلى وفاة بطيئة لاتفاق عام 2015 مع الدول الكبرى، بل يكشف الحدود المحرجة للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، الساعي للوقوف إلى جانب الولايات المتحدة. فعلى الرغم من المعارضة الأوروبية الشرسة، انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي، وفرض عقوبات تلو الأخرى على طهران، طاولت بعضها قطاع النفط، ما أدى إلى خنق اقتصاد البلاد، وتعريض مستقبل الاتفاق للخطر. وتقول الصحيفة إن الجهود الأوروبية لمواجهة ترامب والحفاظ على الاتفاق، لغاية اليوم، باءت بالفشل.
وتعتبر الصحيفة أنّ التفكك البطيء لاتفاق عام 2015 تذكير قاسٍ بقدرة الاتحاد الأوروبي المحدودة لرسم سياسة خارجية مستقلّة.
وتنقل عن الخبيرة بالشأن الإيراني في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إيللي غيرانمايه قولها إنه إذا سقطت الاتفاقية النووية، ولم تستطع أوروبا إنقاذها، فإنّ هذا يحمل رسالة إلى كلّ الدول، وليس لإيران فقط، حول دور الأوروبيين كلاعب دولي. وتلفت إلى أنّ طهران، التي تشقّ طريقها للعودة إلى قائمة الأولويات، تأمل في بحث الأوروبيين عن حلول خلاقة لتقديم بعض الفوائد الاقتصادية المذكورة في الاتفاقية.

وتلفت "فورين بوليسي" إلى أنّ الخبراء طرحوا أفكاراً ليساعد الاتحاد الأوروبي في بث الحياة في الاقتصاد الإيراني المتعثر، مقابل بقائها في الاتفاق النووي. ومن بين الأفكار توسيع "أداة دعم المبادلات التجارية" (انستيكس) - وهي الآلية التي تسمح لطهران بمواصلة التعامل تجارياً مع شركات الاتحاد الأوروبي على الرغم من عقوبات ترامب – بالإضافة إلى منح إيران إمكانية الوصول إلى الأصول المجمّدة، فضلاً عن تجارة أوسع مع دول كالهند والعراق.
ولا يبدو واضحاً، وفق الصحيفة، ما إذا كانت لدى الأعضاء الـ28 في الاتحاد الأوروبي الإرادة السياسية لإغاثة إيران اقتصادياً في مواجهة الضغوط الأميركية.
وتنقل الصحيفة الأميركية عن الدبلوماسية السابقة في عهد باراك أوباما، والتي ساعدت في التفاوض حول الاتفاق النووي، ويندي شيرمان، تخوفها من أن تتخذ التوترات بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً وغير متوقع، على الرغم من تأكيد ترامب ألا مصلحة لديه في خوض حرب مع إيران.
ولا يبدو أن التوتر بين إيران والغرب يقتصر على العقوبات الأميركية وقرار طهران بتخصيب المزيد من اليورانيوم، وإسقاطها طائرة مسيّرة أميركيّة؛ فقد أدّى احتجاز سلطات جبل طارق التابعة لبريطانيا الأسبوع الماضي لناقلة نفط إيرانية إلى تأجيج التوتر.
وفي هذا السياق، عزا رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الايرانية اللواء محمد باقري، احتجاز بريطانيا لناقلة النفط إلى حادثة إسقاط الطائرة الأميركية، قائلاً إن الإجراء البريطاني جاء انتقاماً بعد هذه الحادثة. وفيما وصف الحجج البريطانية لإيقاف الناقلة "بأنها اتهامات واهية"، أكد أنّ "هذه الخطوة المخزية" لن تبقى من دون ردّ، وأنّ الردّ عليها سيكون عند الضرورة في الزمان والمكان المناسبين.
ومن جهته، قال القائد العام للجيش الإيراني، حسين سلامي، في كلمة له في اجتماع قادة السلاح البري للحرس الثوري في مدينة مشهد، شرقي إيران، إنّ المواجهة مع الولايات المتحدة دخلت مرحلة الاستنزاف "لكن يُستنزف العدو أكثر منا لكونه توسع أكثر من اللازم"، موضحا أنه "يفتقد إلى قوة إنسانية بديلة وإلى الدافع والعقيدة، ونحن بإمكاننا أن نهزمه على المدى الطويل".
ونقلت وكالة "تسنيم" الإيرانية عن سلامي قوله إن نطاق المواجهة مع الأعداء يتوسع أكثر مع مرور الوقت، مشيراً إلى أنّ التهديدات انتقلت من شكلها العسكري إلى المجالات الاقتصادية والسياسية والحرب بالوكالة.