السعوديّون يُبدعون في السخرية من بطالتهم

السعوديّون يُبدعون في السخرية من بطالتهم

17 نوفمبر 2014
الصورة
البطالة تطال كثيرين (GETTY)
+ الخط -
"هل تحتاج إلى وظيفة؟ إذاً لا تشغل بالك ولا تقلق من شبح البطالة، فهناك وظائف شاغرة بانتظارك. وهي ليست وظائف عاديّة، بل وظائف خمس نجوم، ربما لم تحلم بشغلها طوال حياتك. وما عليك إلا أن تختار واحدة منها. أما إن لم تكن محتاجاً إليها، فأرسلها إلى مَن يرغب بها".
يتبادل السعوديّون مثل هذه الرسالة على خدمة "واتسآب" في الفترة الأخيرة. ويدرجون في رسائلهم أسماء "وظائف شاغرة" حالياً، هي: نائب أمير الرياض، ونائب أمير تبوك، ومدير عام الخطوط السعودية، ووزير الصحة، ووزير الإعلام، ورئيس مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، ونائب وزير الدفاع، وسواها.
وفي أسفل الرسالة يكتب المرسل العبارة المعتادة في إعلانات الوظائف على "واتسآب": "مررها لغيرك إن لم تكن محتاجاً إليها. وجازاك الله خيراً".
وقد أعيد في نهاية الأسبوع الماضي، نشر الرسالة ذاتها بعد إعلان خبر تعيين أمير لمنطقة نجران، لكن بعد كتابة عبارة "راحت عليّ"، للدلالة على عدم شغورها.
ووفقاً لأرقام مصلحة الإحصاءات العامة لعام 2012، يبلغ عدد العاطلين من العمل في السعوديّة 629 ألفاً، وهو ما يعادل 12 في المئة، وفقاً لتقديرات مصلحة الإحصاءات. أما عدد الباحثين الجادين عن عمل، وفقاً للبرنامج الوطني لإعانة الباحثين عن عمل (حافز)، والذين تنطبق عليهم الشروط، فيبلغ 1.9 مليون عاطل، أكثر من 20 في المئة منهم جامعيّون. وهو ما يعني أنّ نسبة البطالة في السعوديّة تقدّر بـ36 في المئة.

وكان الشباب السعودي قد درج، منذ سنوات عدّة، على تبادل رسائل إعلانات الوظائف عبر الخدمات الهاتفيّة والإلكترونيّة. لكنّهم هذه المرّة كشفوا عن قدرة فائقة على السخريّة المرّة من واقعهم، وهو ما يسهم في انتشار الرسائل بشكل كبير.
كذلك، يعتبر بعضهم أنّ وسائل التواصل الإجتماعي والخدمات الهاتفيّة ساهمت في صقل مواهبهم الساخرة أو اكتشافها حتى.
وتقول إيمان عبد الله: "عندما أقرأ رسالة شبيهة برسالة قائمة وظائف خمس نجوم، لا أملك إلا أن أبتسم وأشعر بالدهشة من حالنا". وتشير إيمان إلى أنّ "ضغوطات الحياة غيّرتنا، وأصبحنا نميل إلى السخرية من واقعنا".
أما سامي سعيد، فيرى أنّ الأمر يدعو إلى التأمّل، ويسأل: "هل صحيح أننا تغيّرنا أم أنّ وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة ساعدتنا على اكتشاف ذاتنا وما نمتلك من مهارات خفيّة في السخرية".
إليه، يقول منير محمد: "عُرِف عن الشعب المصري أنّه شعب ظريف ويحب النكتة، ويسخر ممّا يعترضه من مشاكل. لكن يبدو أننا أصبحنا ننافس الشعب المصري في موهبته تلك". يضيف: "أتمنى أن يلتفت المختصون الاجتماعيون إلى دراسة هذه الظاهرة الجديدة".

من جهتها، تعزو الخبيرة الاجتماعيّة، فريال عبد العزيز، انتشار هذه الظاهرة إلى الظروف الاجتماعيّة والاقتصادية المتغيّرة الضاغطة على شريحة غير قليلة من المجتمع، وازدياد ضغوطات الحياة العصريّة ومتطلباتها، وكذلك إلى حاجة الناس للتنفيس عن همومهم بشكل أو آخر بأسلوب السخرية. وتلفت إلى أنه "أسلوب يشير إلى معاناة على المستوى الداخلي والنفسي لأفراد يعانون من مشاكل حياتيّة عدّة".
تضيف، في حديثها إلى "العربي الجديد": "ربما تضاعفت حاجة السعودي في هذا العصر للجوء إلى هذا النوع من التنفيس، بخلاف ما كان عليه في السابق، عندما كانت معظم احتياجاته الأساسيّة البسيطة مؤمّنة". فاليوم يبرز أمامه عدد من القضايا المرتبطة بشكلٍ مباشر بحياته كفرد في المجتمع، "ومنها غلاء المعيشة، والبطالة، وأزمة السكن، وتأخر سن الزواج، ورداءة بعض خدمات القطاعات، وزيادة الأخطاء الطبيّة، وتدنّي الأجور، واستحداث أنظمة تستنزف ميزانيّة الأسرة، مثل ساهر وساند وغيرهما".
وتلفت عبد العزيز إلى أنّ "بعض الأسر السعوديّة تضطر إلى دفع جزء كبير من ميزانيتها لنظام ساهر بسبب كثرة مخالفات المرور، نتيجة الاعتماد على السائقين الأجانب الذين لا يعرفون أنظمة القيادة في البلاد، وكذلك بسبب قيادة الفتية الصغار للسيارات. وهو ما يجعلها في مثل هذه الحالات بحاجة إلى وسائل تفريغ لاحتقاناتها الداخليّة عبر السخرية والنكتة".
وتتمنى عبد العزيز الاهتمام الجدي بهذه الظاهرة الاجتماعيّة التي تحتاج إلى دراسة علميّة من مختلف نواحيها، عبر مراكز بحثيّة متخصصة.

المساهمون