السعودية تقلّص نزيف الاحتياطي والعجز رغم تهاوي أسعار النفط

28 ديسمبر 2015
الصورة
المواطنون تضرروا من تراجع الاقتصاد (فرانس برس)


رغم تهاوي أسعار النفط والتكلفة التي تحملتها السعودية جراء عملية إعادة الشرعية في اليمن، عبر الاقتصاد السعودي عام 2015 بأقل الخسائر، خاصة مع إبقاء الحكومة على العجز المتوقع في حدود 120 مليار دولار، في ظل توقعات أولية كانت تشير إلى أنها ستصل لأكثر من 200 مليار دولار، واستطاعت الدولة أن تبقي على أكثر من 80% من احتياطيها النقدي المحلي، بالاستعاضة عن السحب منه بإصدار سندات دين طويلة الأمد، حسب التقارير الرسمية.

وفي إطار العقبات التي تواجه الاقتصاد السعودي، رجحّ خبراء اقتصاديون تراجع النمو الاقتصادي لعام 2015 لأقل من 3% مقارنة بنحو 3.47%، في عام 2014، لكنه يظل أعلى من النمو الذي سجله في عام 2013 والبالغ 2.64%.

ويتوقع وكيل محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) للأبحاث أحمد الخليفي، أن يسجل الاقتصاد نموا بنسبة 3% عام 2015، مشددا على أنها، "نسبة جيدة، تعكس استمرار الحراك الإيجابي في القطاع الخاص والنمو في القطاعين النفطي وغير النفطي"، غير أن خبراء يعتقدون أن هذه النسبة مبالغ فيها، وأنها لن تتجاوز 2.4% فقط، وكان أعلى نمو تم تسجيله في السنوات الماضية تحقق في عام 2011 عندما نما الاقتصاد السعودي بنحو 9.96%.

وقال تقرير سابق لصندوق النقد الدولي إن التوقعات تصب في صالح حدوث تراجع في جميع المؤشرات الاقتصادية للسعودية على مدار عامي 2015 و2016، جراء تراجع أسعار النفط، ما ينذر بانكماش اقتصادي، فالدولة هي المحرك الأساسي للاقتصاد، ولا يستطيع القطاع الخاص فعل الكثير وحده.

ويشير الصندوق إلى احتمال تراجع معدل نمو الناتج في العام 2016. فبعد معدل نمو وصل إلى 3.46% في العام 2014، يتوقع أن يتراجع العام الحالي إلى 2.8%، ثم إلى 2.4% في العام المقبل، خاصة مع استمرار تراجع أسعار النفط المتوقع طوال عام 2016، في ظل تخمة المعروض وإصرار منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) على عدم خفض الإنتاج، بالإضافة إلى اعتزام عدد من دول خارج أوبك زيادة إنتاجها مثل روسيا وإيران.
 
وتسببت أسعار النفط المنخفضة لأدني مستوياتها منذ 2008، في تراجع موجودات مؤسسة النقد السعودي خلال عام 2015، بنحو 298 مليار ريال (الدولار = 3.75 ريالات)، فبعد أن كانت في يناير/كانون الثاني الماضي نحو 2791 مليار ريال، تراجعت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي لنحو 2493 مليارا.

ويؤكد أستاذ الاقتصاد حمود العتيبي، لـ "العربي الجديد"، أن السياسة المالية السعودية حافظت على الموجودات قدر الإمكان، ويقول "كان التحدي كبيرا، تم إقرار الميزانية على مستوى 60 دولارا للبرميل، في ذلك الوقت كان هذا التسعير أقل من المتوقع، ولكن ما حدث أن أسعار النفط هبطت بشكل أكبر وغير متوقع وكانت تدور في فلك 40 دولارا للبرميل، هذا الأمر ضغط كثيرا على الموازنة التي قُدرت بنحو 860 مليار ريال".

اقرأ أيضاً: السعودية تتجه نحو إصلاحات اقتصادية جديدة

وتهاوت أسعار النفط العالمية بنحو 60% منذ شهر يونيو/حزيران 2014، حيث تراجع سعر البرميل من 115 دولارا إلى أقل من 38 دولارا.

ويضيف العتيبي، "مع تراجع أسعار النفط الحاد، كانت الحكومة أمام خيارين للإيفاء بمتطلباتها، الأول السحب من الاحتياطي النقدي والآخر الاقتراض، فلجأت للخيارين، لكيلا تستهلك الاحتياطي بالكامل، وفي نفس الوقت لا ترهق نفسها بالقروض، وتزامن ذلك مع ضغط لكل المصروفات الغير ضرورية فحمى ذلك الموازنة من التمدد، وتجاوز الإنفاق، ولو لم يحدث هذا لكان العجز أكبر بكثير من 120 مليار دولار، ولتجاوز 200 مليار".

ويشدّد العتيبي على أن التحدي الأكبر أمام المالية السعودية هو إيقاف الهدر في المال العام، ويضيف، "أكد ديوان المراقبة العامة أن هناك نحو 50 مليار دولار تم هدرها دون أن يكون لصرفها أساس نظامي، هذا المبلغ الكبير جدا، من الممكن تلافي ضياعه بالرقابة الصارمة، ومنع التلاعب بالمال العام، سيكون هذا الأمر التحدي الأكبر للمالية السعودية، فلا يمكن القبول بهدر كل هذه الأموال في وقت يعاني فيه العالم من أزمات اقتصادية، وأسعار نفط بالغة الانخفاض".

وكشفت مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، في تقرير حديث، عن أن الناتج المحلي الإجمالي السعودي انخفض بنسبة 12% بنهاية الربع الثاني من العام الجاري لتصل قيمته بالأسعار الجارية إلى 631.03 مليار ريال مقارنة بـ 716.52 مليار ريال خلال نفس الفترة من العام الماضي.

وانعكست الأوضاع الاقتصادية على معيشة المواطنين، وحسب الإحصائيات الرسمية، استمر معدل التضخم في السعودية في الارتفاع، وتراوح في العام 2015 ما بين 2 و2.4%، وجاءت ذروته في شهري أكتوبر/تشرين الأول ويناير/كانون الثاني، فيما كان أقل ارتفاع له في شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان.

ولم تستفد السعودية من انخفاض أسعار السلع في كل أنحاء العالم جراء تهاوي أسعار النفط، بل على العكس من ذلك، ظلت أسعار السلع.

وفي هذا الإطار يؤكد رئيس جمعية حماية المستهلك السعودي ناصر التويم، لـ "العربي الجديد"، على أنه لا يوجد مبرر لاستمرار ارتفاع الأسعار محليا في ظل انخفاض النفط، وقال، "أستغرب من عدم استجابة الأسواق السعودية لانخفاض أسعار السلع الغذائية عالميا، بعد تراجع أسعار النفط، فمعظم العوامل الاقتصادية تدفع نحو انخفاض أسعار الغذاء في السعودية، ولكن هذا لم يحدث، فهناك انخفاض حاد في أسعار النفط إضافة لزيادة في مخزون كثير من المواد الغذائية ولكن في المقابل نجد أن الأسعار ترتفع ولا تنخفض.

وأضاف التويم، أن التجار اعتبروا انخفاض الأسعار فرصة للحصول على المزيد من الأرباح، فلم يترجموها على سلعهم، بل حولوها لحساباتهم المصرفية، وشدد التويم، على أن، "مسؤولية عدم تراجع أسعار السلع الغذائية في السعودية، تقع على التجار أولا وثم الجهات الرقابية ثانيا، وأخيرا على المستهلكين".




اقرأ أيضاً:
العاهل السعودي: المملكة تجاوزت تداعيات انخفاض أسعار النفط
ارتفاع صادرات النفط السعودية 253 ألف برميل يومياً بأكتوبر
خطة سعودية للتعايش مع النفط الرخيص وعجز الموازنة