السرّاج .. المهندس الطامح إلى دولة مدنية في ليبيا

19 سبتمبر 2020
الصورة

أعلن رئيس المجلس الرئاسي الليبي، فايز السرّاج (60 عاماً)، عن تقديم استقالته من موقعه رئيساً للمجلس وللحكومة المنبثقة عنه، على أن تسري الاستقالة في موعد أقصاه نهاية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، الموعد الذي يفترض أن تنجز فيه لجنة حوار في جنيف تصوّراتها لإجراء انتخابات رئاسية ونيابية. وكانت مباحثاتٌ قد جرت بعيداً عن الأضواء في سويسرا، منذ مطلع سبتمبر/ أيلول الجاري، بين وفدين يمثلان مجلس نواب طبرق وحكومة الوفاق، بالتوازي مع مباحثات أخرى دارت قرب الدار البيضاء، برعاية وزارة الخارجية المغربية، ومباحثات أخرى أجراها وفدٌ من حكومة الوفاق في القاهرة مع مسؤولين مصريين، وذلك كله في أجواء يتردّد فيها أن ثمّة مبادرة تونسية جزائرية يجرى إنضاجها لمعالجة الوضع الليبي.

مرجعيات الأجهزة الأمنية والعسكرية باتت متعدّدة في غرب ليبيا، وعوائق عدّة تقف أمام مهمة السرّاج في هيكلة المليشيات ضمن الجيش الليبي

ولئن كانت خطوة السرّاج مفاجئة، على الرغم من أنه مهّد لها قبل ثلاثة أيام من الإعلان عنها في خطابٍ ألقاه بمناسبة يوم الشهيد، 16 سبتمبر/ أيلول الجاري، فقد سبقتها ظروفٌ وتطوراتٌ أقلقت الرجل، ودفعته إلى التفكير في اتخاذ قراره هذا، ففي الأسبوع الأخير من أغسطس/ آب الماضي، شهدت طرابلس مظاهراتٍ احتجاجية ضد غلاء المعيشة وتدهور الخدمات الأساسية. وقد تم التعامل بقسوة شديدة مع هذه الاحتجاجات، وبدا السرّاج في موقفٍ مُحرج أمام هذا الوضع، وحمّل وزير الداخلية، فتحي باشاغا، مسؤولية هذا التصعيد، وأمر بوقفه عن العمل إلى حين استجوابه، واعتبر باشاغا القرار استهدافاً شخصياً له، وطالب باستجوابه بصورة علنية أمام وسائل الإعلام.. وقد مضى زهاء أسبوع، قبل عودة الرجل القوي، باشاغا، إلى موقعه. وقيل إن أنقرة قد توسّطت، وأعادت المياه إلى مجاريها بين الطرفين، علماً أن باشاغا كان في زيارة إلى تركيا لدى صدور القرار الرئاسي بوقفه عن العمل. التطور الآخر وقوع حالةٍ من التحدّي، أعرب عنها الجهاز الأمني (الاستخبارات) لتعيين السرّاج مديراً جديداً للجهاز، خلفاً للرئيس السابق، اللواء عبد القادر التهامي، الذي توفي في 10 مايو/ أيار الماضي. وقد أصدر كبار مسولي الجهاز بياناً أعلنوا فيه رفضهم هذا التعيين المتعلق بمسؤول ذي رتبة ليست كبيرة (مقدّم)، مع تجاوز كبار المسؤولين وأصحاب الرتب العسكرية العالية. وقد شكّل هذا الموقف تحدّياً لسلطة الرجل، وسلباً لصلاحياته، كما قد يكون القرار مشوباً بالتسرّع. وبين التطورين، لاقى تعيين السرّاج رئيساً جديداً لمؤسسة الإعلام، هو محمد بعيو، ضجّة، لوقوف هذا الرجل طويلاً، كما يقول المنتقدون، في صف الطرف الآخر (الجنرال خليفة حفتر).

بدا واضحاً أن مرجعيات الأجهزة الأمنية والعسكرية باتت متعدّدة في غرب ليبيا، وأن عوائق عدّة تقف أمام مهمة فايز السرّاج في هيكلة المليشيات ضمن الجيش الليبي، ما أشعره بأن هناك محاولاتٍ لإضعافه وتحجيمه، بحجّة أنه مسؤول مدني لا يمكنه تسنّم موقع عسكري، وأن المساعي والجهود الخفية ربما تتجه إلى جعله أقرب إلى نموذج الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، الذي سُلبت صلاحياته شيئاً فشيئاً. تضاف إلى ذلك مسألة أهم، أن قطار التفاوض بين طرفي النزاع قد انطلق بضغط دولي. ومع أن السرّاج ميالٌ، بطبعه، إلى الحلول السلمية للنزاع الداخلي، وهو الذي وصل إلى موقعه نتيجة مفاوضاتٍ جرت في الصخيرات المغربية عام 2015، وثمرةً لترشيح الأمم المتحدة، إلا أن انطلاق المراحل الأولى من المفاوضات في جنيف وبوزنيقة المغربية قد كسر التزاماً أخذه على نفسه بعدم التفاوض مع الجنرال خليفة حفتر، وذلك بعد أن كسر الأخير التعهدات التي أطلقها في محافل وعواصم عديدة بدعم المسيرة السياسية، ولجوئه إلى الحرب السافرة في الحملة على العاصمة طرابلس.

يجمع السرّاج بين رئاستي المجلس الرئاسي (مجلس الدولة) والحكومة، غير أنه وصل إلى وضعٍ بات يشعر فيه معه بأنه مدعوٌّ إلى خوض صراعات داخلية، واتخاذ قراراتٍ صعبة

ربما يكون من المغري للتحليل ربط استقالة السرّاج باستقالة مسؤول ليبي آخر، عبدالله الثني، الذي كان يقود حكومة في شرق ليبيا. استقال، قبل أيام من إعلان السرّاج، على خلفية مظاهرات احتجاجية في بنغازي على تدهور الأحوال المعيشية، وتردّي الخدمات كما هو الحال في طرابلس، غير أن حكومة الثني، إضافة إلى عدم الاعتراف بها دولياً، كانت صلاحياتها محدودة، فالصلاحيات التامة يمنحها حفتر لنفسه. خلافاً للحال في طرابلس، إذ يتمتّع السراج بالصلاحيات كاملة؛ يجمع بين رئاستي المجلس الرئاسي (مجلس الدولة) والحكومة، غير أنه وصل إلى وضعٍ بات يشعر فيه معه بأنه مدعوٌّ إلى خوض صراعات داخلية، واتخاذ قراراتٍ صعبةٍ أو مؤلمة، كي يتمتع بصلاحياته، ويباشر مسؤولياته بصورة كاملة، وهو ما زهد فيه، بعد أن شعر بأن الإرادة الدولية باتت تضغط نحو اجتراح الحلول، وأن ثمّة تحجيماً يتعرّض له حفتر، غير أنه ليس واضحاً من هي القوى أو القيادات العسكرية والميدانية الجديدة التي يمكن لها أن تستلم دفّة الأمور في ليبيا موحدة، وخلال مرحلة انتقاليةٍ قد تبدأ قبل نهاية العام الجاري.

ويبقى أن إعلان السراج عن قرب استقالته يمثل إضافة جديدة إلى سجل نماذج معدودة لمسؤولين عرب آثروا الاستقالة والانسحاب، تفادياً للانقسامات والصراعات الداخلية، وللتدليل منهم على أنهم لا تغويهم السلطة بعد أن عرضت عليهم، أو بعد أن جرّبوها وتذوّقوا حلاوتها ومرارتها، كما حال المهندس المعماري المدني، فايز السراج، الذي لم يتوقف في عديد من المناسبات عن التعبير عن هدفه بإقامة دولة مدنية في بلد عمر المختار (دولة غير عسكرية أو دينية).