السرطان يتفشّى في موريتانيا

09 نوفمبر 2019
الصورة
الرعاية الطبية قاصرة في البلاد (مهدي فدواش/ فرانس برس)

ثمّة قصور في مجال الرعاية الصحية في موريتانيا يؤثّر في المرضى باختلاف حالاتهم، ولا سيّما المصابون بالسرطان. بالتالي، تتفاقم معاناة هؤلاء الذين تتقلّص فرص نجاتهم من المرض الخبيث.

يحذّر أطباء موريتانيون من ارتفاع معدّلات الإصابة بأمراض سرطانية في السنوات الأخيرة، في ظلّ إهمال فاضح للقطاع الصحي في البلاد. فالسرطان يستدعي اهتماماً ودراسات جادة، وهذا أمر غير متوافر في موريتانيا التي تشكو من نقص كبير في مجال الرعاية الصحية. وارتفاع عدد حالات السرطان يربطه أهل الاختصاص، إلى جانب التاريخ الصحي لكلّ شخص والعوامل المهيّئة، بسلوكيات خاطئة تنتشر في المجتمع، من قبيل نمط العيش وتدنّي الوعي الصحي والخوف والخجل من الكشف المبكر. وتزيد الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك الفساد الإداري الوضعَ سوءاً، ونذكر هنا قلّة المراكز المتخصصة في الكشف المبكر وانتشار الفقر والأميّة وتلوّث بعض المناطق بمواد خطرة ورواج الأدوية المزوّرة والمواد الغذائية منتهية الصلاحية.

يقول محمد يحيى ولد سيدي عالي، وهو باحث متخصص في علم الأورام، لـ"العربي الجديد"، إنّ "ارتفاع معدّلات الإصابة بالأورام الخبيثة أمر مقلق ومحيّر في الوقت نفسه"، معبّراً عن استغرابه من "الإهمال الحكومي على الرغم من ازدياد مستمرّ في عدد المصابين". يضيف أنّ "معدّلات الإصابة بأمراض السرطان مخيفة، وكلّ المؤشرات تدلّ على أنّ التعتيم على الموضوع مقصود، فالمؤسسات الصحية تمتنع عن كشف أعداد المصابين بالسرطان بشكل دقيق وترفض تدخّل مراكز الأبحاث والمنظمات المحلية والدولية للتعرّف إلى سبب ارتفاع الإصابات". ويتابع ولد سيدي عالي، قائلاً إنّ "الزيادة الملحوظة في الإصابات السرطانية، وخصوصاً في المناطق الشمالية والوسط، يمكن شرحها استناداً إلى ما جرى في الماضي عندما اتّفقت الحكومة الموريتانية على دفن نفايات نووية وذخائر يورانيوم في صحراء الشمال بعد صفقة مع إسرائيل. وما زالت السلطات المعنية حتى اليوم، ترفض الكشف عن المعلومات الدقيقة المتعلقة بعمليات طمر النفايات. وبالتالي، إنّ أقرب تفسير لزيادة أمراض السرطان هو التلوّث الإشعاعي الناجم عن طمر تلك النفايات".

ويحذّر ولد سيدي عالي من "الأضرار الصحية والبيئية لمخلفات الأسلحة، خصوصاً اليورانيوم، التي وإن طُمرت في مناطق غير مأهولة بكثافة، إلا أنّ مخلّفاتها ذات فاعلية إشعاعية نشطة تؤثّر بسكان المناطق المجاورة". ويدعو إلى "الاهتمام بالكشف المبكر عن السرطان"، مؤكداً أنّ "دوره مهمّ في تشخيص المرض وعلاجه. فهو يسهّل العلاج ويخفّف من التكاليف ويرفع احتمالات الشفاء". ويطالب كذلك بوضع "استراتيجية وطنية لمكافحة السرطان والتكفّل التام بعلاجه".




وكان نظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع قد عقد صفقة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي في عام 1998 لطمر نفايات نووية في الصحراء الموريتانية، لكن عندما أثارت المعارضة قضيّة تلك النفايات، أنشأت إسرائيل مركزاً لأمراض السرطان في موريتانيا لاستيعاب الوضع، غير أنّ العمل توقّف فيه بعد أعوام عدّة.

ويشير متخصصون إلى أنّ زيادة عدد الوفيات التي تأتي على خلفية الإصابة بالسرطان، مردّها نقص في الرعاية الصحية وفي المستشفيات التخصصية، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة العلاجات ذات الصلة. ويقول الطبيب أحمد ولد الخليفة، المتخصص في أمراض الأنف والأذن والحنجرة لـ"العربي الجديد" إنّ "الكشف عن السرطان يتأخّر في موريتانيا بسبب قلّة الوعي الصحّي وعدم توافر الإمكانات المادية. وحين نتأكّد من الإصابة، قد لا نجد الدواء الناجع، علماً أنّ ما هو متوافر لا يكفي جميع المرضى". يضيف ولد الخليفة أنّ "ما يقلقنا كأطباء، تفاقم المرض بسرعة عند الكشف المتأخّر، وبالتالي لا يتوافر وقت طويل للمصاب"، مشيراً إلى أنّ "الخوف والخجل يرفعان نسب الكشف المتأخّر، وبالتالي احتمالات الموت سريعاً". ويشدّد على أنّ "التعامل الأمثل مع المصابين يبدأ من خلال محاربة النظرة الاجتماعية الخاصة التي توجّه إليهم".

وينتقد ولد الخليفة "عدم اهتمام السلطات بارتفاع الإصابات بالسرطان وإهمالها، وبنشر الوعي حول أهميّة الفحص المبكر للوقاية منه ورفع نسبة الشفاء قبل فوات الأوان"، مؤكداً أنّ "ما تقوم به جمعيات قليلة مهتمة بهذا المجال لا يكفي لمحاربة الخجل والتقاليد وتبديد المفاهيم المغلوطة المتعلّقة بمرض السرطان". ويلفت إلى "دراسة أعدّتها منظمات غير حكومية أكّدت تزايد عدد المصابين بالسرطان بأنواعه، في البلاد، مشدّدة على أنّ من الممكن تجنّب 40 في المائة من الإصابات من طريق الوقاية والتوعية، في حين أنّ من الممكن علاج 30 في المائة من الإصابات من طريق الكشف المبكر".



في سياق متّصل، تراجعت نسبة الأشخاص الذين يتلقّون علاجهم في خارج موريتانيا، منذ إنشاء المركز الوطني للأنكولوجيا في عام 2009. كذلك ساهم المركز في محاربة السرطان عموماً والحدّ من انتشاره، وهو يقدّم العلاج المجاني للذين يستفيدون من تغطية الصندوق الوطني للتأمين الصحي وللمعوزين الذين يحملون شهادة تكفّل من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية. تجدر الإشارة إلى أنّ الخطة الوطنية لمكافحة السرطان التي أطلقتها الحكومة قبل أربعة أعوام أدّت إلى تعميم العلاج المجاني لأمراض السرطان وتقريب الخدمات الصحية من المواطنين والرفع من تعداد وكفاءة الكادر الطبي المتخصّص وإطلاق حملات دورية للتوعية حول خطورة إهمال السرطان والمبادرة إلى الكشف المبكر عنه. وعلى الرغم من ذلك، ما زال الموريتانيون يعانون.
تعليق: