السخرية في قبضة الأمن

12 مايو 2016
الصورة
(في ميدان التحرير، تصوير: خالد دسوقي، 2011)
+ الخط -

منذ ست سنوات، حين اندلعت الثورة المصرية، لم تغب روح السخرية عنها، ظلت حاضرة في الهتافات واللافتات والغرافيتي على الجدران. ومنذ خلع مبارك، عرف المصريون شكلاً جديداً من السخرية السياسية لم يعرفوها من قبل، كان أغلبها من خلال شبكة الإنترنت.

بحلول صيف 2013، وزيادة الملاحقات الأمنية والرقابة على الإنترنت، انتشرت الصفحات الساخرة؛ إذ رأى كثيرون فيها الوسيلة الأسهل للوصول إلى الجميع، ولمنع ملاحقة القائمين عليها، خصوصاً مع زيادة القبضة على صفحات التواصل الاجتماعي.

حسب إحصائية قامت بها مؤسسة "مراسلون بلا حدود"، صنّفت فيها الدول الأكثر تشدداً في الرقابة الإلكترونية، جاءت مصر في المركز الخامس، وهو ما ظهر بوضوح في شباط/ فبراير 2007، حيث حُكم على المدون كريم عامر بالسجن أربع سنوات، بسبب المحتوى المنشور على مدونته الشخصية، رأته جامعة الأزهر، التي كان كريم طالباً فيها آنذاك، مخالفاً للقانون.

تكرر الأمر مع ألبير صابر، بالحكم عليه ثلاث سنوات في كانون الأول/ ديسمبر 2012، بسبب عدد من المقاطع المرئية نشرها على موقعي يوتيوب وفيسبوك، ومدونته الشخصية. أثناء التحقيق، طلبت النيابة العامة من لجنة فنية تابعة لوزارة الداخلية الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي له حسابات بها، وانتهى التقرير الفني إلى أنه من خلال فحص الرسائل المتبادلة بينه وبين أصدقائه، أفاد مضمونها أنه له حساب آخر على فيسبوك غير الحساب محل الفحص وأنه من أحد القائمين على إدارة صفحة تسمي "صفحة الملحدين المصريين".

كانت تلك الوقائع سبباً في الدفع إلى استخدام السخرية كوسيلة للنقد والتعبير، وساعد الإنترنت في ظهور أشكال مختلفة من السخرية، إلى أن ظهرت مقاطع الفيديو التهكّمية وبرنامج "البرنامج" الذي بُثت أولى حلقاته في آذار/ مارس 2011.

تسببت السخرية في ملاحقة أصحابها، ففوجئ أحمد أنور في 17 آذار/ مارس 2013 بصدور أمر ضبط وإحضار له على خلفية فيديو ساخر نشره على موقع اليوتيوب يحمل عنوان "علاقة الفنانة مروى بالداخلية والانفلات الأمني"، موجهاً فيه النقد ساخراً من وزارة الداخلية   لإفلاتهم من العقاب في قضايا قتل المتظاهرين، وتسببهم في وجود حالة من الانفلات الأمني بسبب عدم القيام بعملهم بجدية، مستعيناً ببعض الأداء الحركي الراقص، ثم قام بنشر هذا المقطع المصور بواسطة حسابه على موقع يوتيوب في 5 آذار/ مارس 2012.

في حديثٍ إلى "جيل العربي الجديد"، يوضّح أنور أن أمر الضبط والإحضار كان بعد ثمانية أشهر من نشر الفيديو، ووجهت له النيابة تهم الإساءة لوزارة الداخلية، وإساءة استخدام شبكة الإنترنت للتشهير بأفراد الداخلية. لم يكن يتخيل أن يصل الأمر إلى بلاغات وقصية حكم عليه فيها بالحبس ستة أشهر وغرامة 10 آلاف جنيه.

اضطر أنور إلى التوقف عن نشر تلك الفيديوهات في نهاية 2013، رغم أنها كانت الوسيلة الأقرب له للتعبير عن رأيه، خصوصاً وأنها الأسهل والأسرع في الوصول إلى لجمهور، معلقاً: "ما يحدث في مصر لا يستدعي التعامل معه على محمل الجد، كله تهريج".

الواقعة الثانية كانت بالحكم على الشاب عمرو نوهان، بعد نشره هو الآخر على حسابه على فيسبوك صورة ساخرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي يشبهه فيها بالشخصية الكرتونية الشهيرة "ميكي ماوس".

وآخر هذه الأحداث، كان إلقاء القبض على فرقة "أطفال شوارع"، التي استخدمت الفيسبوك لنشر أغانٍ وعروضٍ أدائية/مسرحية ساخرة؛ آخرها كان "السيسي رئيسي جابنا ورا"، تهكّموا فيه على الرئيس وطريقة إدارته للبلاد. وهم الآن يواجهون تُهماً بالتحريض على الإرهاب والدعوة إلى التظاهر، وغيرها.

تلك الملاحقات دفعت بعضهم إلى عدم الإعلان عن هويته في الصفحات الساخرة، والتي بدأت منذ السابع من نيسان/ إبريل 2012، بصفحة "أساحبي"، و"الملك أحّا"، التي تعرضت إلى الإغلاق لأكثر من 15 مرة، من قبل أجهزة الرقابة على الإنترنت، إلا أنها دائماً ما كانت تعود مرة أخرى، إلى أن اقترب عدد المتابعين فيها نصف مليون.

ومع بداية 2014، ظهرت الصفحات باسم الشخصيات العامة كان آخرها صفحة "عبد الفتاح السيسي"، والتي بلغ عدد المتابعين عليها ما يقرب من 300 ألف، استخدمت السخرية لنقد الرئيس والأحداث، كان آخرها الحملات الأمنية التي طالت عدد من النشطاء قبل تظاهرات 25 نيسان/ إبريل اعتراضاً على اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، بعبارات مثل: "قولتلكوا إن عام 2016 هو عام الشباب. وانا بنفذ كلامي أهو.. بعتقل الشباب العاطل من على القهاوي.. عشان يجربوا السجون الجديدة اللي فيها حمامات السباحة وشبكات Wi-Fi، من كتر حب الشباب فيا.. أي حد بينزل القهوة دلوقتي لازم يحط صورتي خلفيه موبيله".

في حديثٍ إلى "جيل العربي الجديد"، يوضّح مدير "الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان"، جمال عيد، أن اللجوء إلى حسابات غير معلومة جاء نتيجة ثلاثة عوامل؛ أولها الخوف من حكومة غير ديمقراطية تعاقب على الرأي، إضافة إلى محاولة النشر في قضايا الفساد وإعطاء إشارة للمتّهمين للبحث وراءها، وأخيراً، وجود لجان إلكترونية ظهرت في الفترة الأخيرة.

يؤكد عيد أن السخرية السياسية في حد ذاتها ليست جريمة، لكن ارتباطها بالنقد هو ما جعلها أشد تأثيراً، وبالتالي لم ترحّب بها الأنظمة القمعية، مثل النظام في مصر. ووصل الأمر لحد الملاحقة والهجوم على من يقوم بها، حتى لو حاول نقل النقد في صورة جادة، وهو ما حدث مع وقف برنامج باسم يوسف وكتابات بلال فضل الساخرة.

يرفض عيد اعتبار السخرية نوع من الإهانة للدولة أو مؤسساتها، موضحاً أنها مثل الإعلام؛ لا يخترع الحدث ولكن يعلق عليه فقط ولكن بطريقة ساخرة، ولا يستطيع أحد تجريمها قانونياً طالما لم ترتبط بسب أو قذف مثل واقعة فيديو "الواقي الذكري" لأحمد مالك وشادي حسين، هو نقد قد يرفضه المجتمع أو يقبله، لكن قانونياً ليس فيه جريمة.

وفقاً لتقرير "الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان" حول الإنترنت في العالم العربي في 2015، فأن هناك خمس قنوات تعرضت للإغلاق وأربع فضائيات تمت مداهمتها بعد الإطاحة بحكم الإخوان، والعديد من البرامج توقفت بسبب الرقابة الذاتية التي تفرضها القنوات الفضائية علي نفسها. هذه ثمار أول أيام للسلطة المصرية بعد 30 يونيو، والتي توضح مدى تراجع هامش الحريات، وفي المقابل يتسع الإنترنت لملايين الحسابات لمواطنين مصريين على الشبكات الاجتماعية، ليعود الساحة الاكثر استيعاباً للآراء عقب تآكل هامش حرية التعبير بالوسائل التقليدية.

حسام فاز، باحث في برنامج حرية الإبداع في "مؤسسة حرية الفكر والتعبير"، يرى أن المجتمع لا يتقبل في بعض الأحيان السخرية، وهو ما ظهر بوقف برنامج باسم يوسف والحكم على عمرو نوهان بـثلاث سنوات سجن، موضحا ًأن الخوف كان سبباً في تراجع تلك الأعمال التي يعلن أصحابها عن أنفسهم، ولم يبق سوي "أنديل" رسام الكاريكاتير، لكن دائماً ما يردد الجميع جملة "هتوحشونا قريب"

يتابع: "الصفحات الساخرة تنتشر على الرغم من وجود أجهزة متطورة لدى الدولة لملاحقة تلك الصفحات، لكن الفكرة في النهاية هي مدى قدرة الدولة على استخدام تلك الأجهزة بالفعل".

يعتبر فاز أن السخرية لها القدرة على الوصول بشكل أفضل، والتأثير بصورة أكبر؛ ففكرة نشر صورة وزير الداخلية "نيغاتيف" التي اتخذتها الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين نوع من السخرية، نجحت لأنها تصل بسهولة.

على المدي البعيد، يؤكد فاز، أن السخرية ستأثر في وعي المجتمع، وتنتقل له وسيرددها كجزء من انتقاده للسلطة، على الرغم من التعامل معها الآن كتهمة. وفي أي وقت، يمكن أن تواجه تلك الصفحات تهم إثارة الفتن والرغبة في إسقاط النظام وإهانة الداخلية ومؤسسات الدولة.