السجين

08 يوليو 2017
أستغرب ممن قال يوماً إنّ السجين فقط هو الشخص المحكوم عليه بعقوبه سالبة للحرية خلف أسوار مغلقة وحارس يحول بينه وبين العالم الخارجي.
السجين أحيانا هو الشخص الذي يغدو ويمشي تحت ضوء الشمس ووسط المروج الخضراء وفوق الأسرة والوسائد الناعمة، وهو يتنعم.
السجين الحقيقي هو ذلك الذي يقف على لسانه اللجام، ولا يستطيع التفوّه بكلمة واحدة عند رؤية الانتهاكات الإنسانية، وانتشار الرذائل والموبقات، خشية اتهامة بأنه من فريقٍ يدعو إلى الفضيلة ومحاسن الأخلاق.
الحرية الحقيقية، وهي اللفظ المضاد للعبودية هي التخلّص من كلّ الميول والأهواء الشخصية والشعور بالعبودية الخالصة لرب الكون في اتباع أوامره، واجتناب نواهيه، والانتقال من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فالرزق مقسوم، والعمر مقدور، وما كان في الغيب سيكون.
الأمان النفسي والصفاء الروحي هو الحرية المطلقة التي جاءت في حديث رسولنا الكريم، صلّى الله عليه وسلم، حينما قال فيما معناه، من بات وأصبح معافى فى بدنه، أمن في سربه، يملك قوت يومه، فكأنما حيّزت له الدنيا بحذافيرها. فلننظر في الوجوه، وفي أنفسنا لنتدبر المعنى الحقيقي للسجن، سنجد أنفسنا جميعاً في سجنٍ ليست له أسوار ولا حرّاس، فقد جعلتنا الشهوات المختلفة مثل المال والأبناء والنواحى البيولوجيه والإلكترونية كالهواتف وأخواتها عبيداً للجسد ومتطلباته.
ربما الفارق بين العقوبتين بالنسبة لنوعي السجن من حيث المقصود، إنّ عقوبة الجريمة الأولى ناتجة عن أمور مادية، تم ارتكابها وصدر فيها حكم قضائي، أما الجريمه الثانية فهي معنويه روحية، لم يصدر فيها حكم بشري خارجي، بل كانت عقوبة على ميول ورغبات ونزعات، كان الشيطان المحرّك لها، وصاحب الشرارة الأولى في تغلغلها فى الجسد البشري.
السجين المتنقل المتنعم أشد وجعاً من ذلك السجين القابع في الغرفة الضيقة، تحت رقابة حارس، ممسكاً بسلاحه قادر على منعه من الفرار، لكونه أينما ذهب يجد نفسه ملجماً صامتاً مرتدياً الذل رداء والخنوع قناع، ومهما كان الفراش سُندساً وحريراً، فإنّ به أشواك الضمير التي تقوم بالوخز بلا رحمة في كل حين.
كلّنا سجناء، مهما اختلفت الأنماط والفئات والمراحل العمرية، خلف أسوار أو خلف أهواء وميول ونزعات ومتطلبات. وهنا، يثور في النفس سؤال هائج كالموج الهادر: كيف الخلاص من عقوبة السجن؟
سجين الأسوار قد يخرج من خلف الأسوار، وقد استطاع تكفير جريمة ارتكبها لحظة ضعف وهوان بشري، ليعود من جديد صفحة بيضاء قد تبقى ناصعة، وقد يدنسها إن عاد إلى ارتكاب أفعال مجرمة أخرى، أما سجين الميول والأفكار فلا علاج له، ولا خلاص له، إلا بالتجرّد في عبوديتة لرب العباد والتيّقن بأنّ ما فاته لم يكن ليدركه، وأنه لا يصح إلا الصحيح، شاء من شاء وآبى من آبى، وما يأخذ الروح إلا خالقها، حتى لو ركض فى البرية ركض الوحوش، فالرزق والعمر بيد مالك الملكوت صاحب الكاف والنون الذى إذا أراد شيئاً كان.
فليقل عنك الغير ما يرغبون بقوله، أو يصنفونك كما يشاءون. فقط دع نفسك خالصاً لله، من دون خوف أو وضع معايير دنيوية تلجم لسانك وجوارحك عن قول ما يرضي رب العباد .
لا سامح الله من كان سبباً فى تغيير مفاهيم الفضيلة في المجتمعات، وفق نزعات وأهواء شخصية تحت ستار الدين، والدين منه بريء.
F010FFAB-9D22-486A-90B9-2D8D1D8A3315
شحات خلف الله عثمان (مصر)