السجن بيتاً

25 اغسطس 2019
الصورة
بوصول عدد الدائنين الأردنيين المطلوبين للتنفيذ القضائي إلى نحو ربع مليون نسمة، يصحّ القول إن ثقافة السجون أصبحت في صميم الثقافة الشعبية الأردنية، في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وقد أورد هذا العدد المهول النائب الأردني، خليل عطية، في مقابلة تلفزيونية محلية قبل نحو أسبوعين، حيث أجرى حسبة بسيطة، شملت أيضًا عائلات المطلوبين، ليخرج بنتيجة مؤدّاها أن الأحوال الاقتصادية لمليون أردني أصبحت مهدّدة بالخطر، على افتراض أن للربع مليون المطلوب للسجون، عائلات بمعدل أربعة أفراد لكل منهم، ما يعني أنهم لن يجدوا معيلًا ما دام آباؤهم في السجون. وأورد ملاحظةً مؤسفة، أن ثلاث كمبيالات غير مسدّدة كفيلة بتأبيد المدين ثلاثين سنة في السجون، إذا تكرّر عدم سدادها.
والحال أن السجون الأردنية باتت تعجّ هذه الأيام بمدينين مُعسرين، وغارمات، إضافة إلى موقوفين بقضايا المشاجرات التي ارتفعت نسبتها أخيرا، أيضًا. ولا حاجة للقول إن في طليعة أسبابها الوضع المعيشي المتردي الذي جعل الأردنيين "يرون الديك أرنبًا"، وهو المثل الشائع على ألسنتهم، حين يضيق الحال بأحدهم.
لعلّ أخطر ما أبتغي الوصول إليه، وأتمنّى أن أكون مخطئًا، أن السجن، بحدّ ذاته، لم يعد فكرة مرعبة للأردنيين، ولم يعد يدخل في باب "العيب"، خصوصًا إذا علمنا أن كثيرين من نزلائه المدينين أناس محترمون، لم يكن قصدهم التخلّف عن السداد، بل تحالفت ضدّهم حزمة ظروف بالغة السوء، في مقدمها الوضع الاقتصادي العام لبلدٍ عانى أعواما من حصار خانق، مع إغلاق منافذه الحدودية مع سورية والعراق، فشهد كسادًا مريعًا على صعيد الحركة التجارية وسوق العقار، بما أدى إلى إفلاس شركاتٍ كثيرة، وتسريح آلاف العمال، وارتفاع نسب البطالة إلى حدود مهولة، فلم يجد المعوزون أمامهم سبيلًا غير اقتراض مبالغ يسيرة، ظنوا أن في وسعهم سدادها. ولكن مع تفاقم التردّي الاقتصادي الذي طاول سائر القطاعات، وجدوا أنفسهم عاجزين عن السداد، فكانت السجون بانتظارهم. ولو زدنا على ذلك سوء التخطيط الرسمي في مواجهة الأزمات الاقتصادية، لوصلنا إلى نتيجةٍ مؤدّاها أن هؤلاء المعسرين إنما يدفعون من أعمارهم ثمن إخفاقٍ لا يد لهم فيه، بعد أن دفعوا من جيوبهم من الضرائب المتناسلة ما لا طاقة لهم به أيضًا، وكأن الضرائب لم تعد تقتصر على المداخيل، بل على الأعمار أيضًا حين أصبحت الجيوب فارغة.
باختصار، لم يعد السجن عيبًا في عرف الأردنيين، إذا كانت "الجريمة" تخلفًا عن سداد قرض، بل وبلغ الأمر حدّ التندّر لدى بعضهم، بأن جعلوا من السجن بيتًا مأهولًا، وربما حميمًا، على قاعدة أن "الطعام والمنام متوفران مجانًا"، وأن السجين لن يعدم وجود قريبٍ أو صديقٍ سبقه إليه، ما دامت الكمبيالات والشيكات تفغر أرقامها في وجوههم. أما المعضلة التي لا تقل تعقيدًا عن القوانين المالية التي تزجّ الناس في السجون بلا حساب، فتتمثل بقانون حبس المدين، لأتفه الأسباب. ولا أدري كيف قبل المشرّع أن يصوغ هذا القانون الذي لا يحلّ القضية، بل يفاقمها تعقيدًا؛ لأن المدين المسلوبة حريته لن يستطيع العمل، ولا الحركة خارج السجن، كي يحاول سداد دينه. وفي حال كهذه، لن يحصل الدائن على دينه، ولا المدين على حريته، وستبقى القضية معلقةً سنوات طويلة. ولربما لهذا السبب تنبّه النواب الأردنيون أخيرا، وبدأوا بحملة جمع تواقيع من أقرانهم، لإسقاط بند "حبس المدين" من القانون المعمول به حاليًّا، واستبداله بصيغةٍ أخرى تتيح حل القضايا المالية، بعيدًا من السجون وسلب الحريات. من جهتي، أقترح على النواب الأردنيين سرعة إسقاط هذا البند، قبل أن يصبح السجن ملاذًا ومأوى، بعد أن ضاق الوطن على أهله.