السباق نحو قصر قرطاج: 26 مرشحاً بمشهد عربي نادر

04 سبتمبر 2019
الصورة
لا يمكن التكهن بتوجهات الناخبين (الأناضول)

بمعركة مفتوحة أمام كل الاحتمالات، انطلق السباق نحو قصر قرطاج بين 26 مرشحاً للانتخابات الرئاسية المبكرة في تونس، المقررة في 15 سبتمبر/ أيلول الحالي، في مشهد نادر في العالم العربي، لتكون ثاني انتخابات ديمقراطية تشهدها تونس بعد الثورة والإطاحة بنظام زين العابدين بن علي. معطيات كثيرة تبدّلت منذ العام 2014، الذي شهد أول انتخابات ديمقراطية، لعل أبرزها ترشح أكثر من شخصية من العائلة السياسية نفسها، أكان الإسلامية أو الدستورية أو العلمانية، بالتوازي مع دخول مليون و700 ألف ناخب مسجل جديد، أغلبهم من الشباب، ليضيفوا المزيد من الغموض على اتجاهات المشهد، مع استبعاد الحسم من الجولة الأولى في 15 سبتمبر. ومن المفارقات التي يشهدها هذا الاستحقاق، خوض أحد المرشحين، وهو نبيل القروي، الانتخابات من داخل السجن بعد توقيفه قبل أيام من الإعلان عن قائمة المرشحين النهائية. ومن بين المرشحين الـ26، تبرز أربعة أسماء يُتوقع أن تكون المنافسة الأكبر بينهم، من يوسف الشاهد، إلى عبد الكريم الزبيدي، ومنصف المرزوقي، وصولاً إلى عبد الفتاح مورو.

غموض المشهد
انطلقت الحملات الانتخابية لمرشحي الانتخابات الرئاسية الإثنين الماضي، وسط أسئلة تتداولها الأوساط الإعلامية والسياسية والشعبية حول حظوظ المرشحين في بلوغ الدور الثاني والمراهنة بجدية حول الرئيس الذي سيخلف الراحل الباجي قائد السبسي. ويستبعد أغلب المراقبين أن يتم الحسم من الدور الأول في 15 سبتمبر، إلا إذا حصلت مفاجأة كبرى بهذا الخصوص، نظراً لتشتت أصوات الناخبين المتوقع بسبب انتماء عدد من المرشحين إلى العائلة السياسية نفسها، وتقارب "بروفايلات" هؤلاء، ما سيقود بالضرورة إلى تفتيت كتلة الأصوات وإرجاء الحسم إلى المرحلة الثانية بعد الانتخابات التشريعية.

وتعليقاً على هذا المشهد، أكد المحلل السياسي حمزة المدب، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنه من الصعب أن تُحسم الانتخابات من الدور الأول، خصوصاً في ظل وجود 26 مرشحاً، ومن الصعب أن يحصل أي مرشح على نسبة 50 في المائة من الجولة الأولى، وحتى داخل العائلة الواحدة سيكون هناك تشتت في التصويت، مضيفاً أن نقطة الاستفهام الكبرى هي بشأن من سيكون في الدور الثاني، خصوصاً أن كل الاحتمالات تبقى ممكنة. وأوضح المدب أن 4 أو 5 مرشحين ستكون حظوظهم أكبر من غيرهم، وقد يصل اثنان من بينهم إلى الدور الثاني، ولكن من شبه المستحيل أن تُحسم الانتخابات من الدور الأول، مؤكداً أن كل عائلة لديها مرشح أو اثنان وبالتالي سيكون هناك تشظٍ حتى داخل العائلات السياسية، ومنها الإسلامية واليسارية والعلمانية والدستورية، ليبقى الحسم مؤجلاً إلى الدور الثاني.

ويشدد أغلب المراقبين على أن المعركة ستكون ضارية بين مرشحين بارزين نظرياً، هم رئيس الحكومة يوسف الشاهد، والرئيس السابق منصف المرزوقي، ووزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي، ومرشح حركة "النهضة" عبد الفتاح مورو، ولكنها تبقى مجرد توقعات نظرية لأن أحداً لا يمكنه توقع المزاج الانتخابي الذي قفز بالمستقلين مثلاً في الانتخابات البلدية الماضية قبل الأحزاب، بالإضافة إلى المرشحين الذين قدّمتهم توقعات الاستطلاعات في المقدمة، مثل نبيل القروي صاحب قناة "نسمة" الذي يقبع في السجن، أو قيس سعيد أستاذ القانون الدستوري الذي بقي لسنوات في مقدمة هذه التوقعات، وغيرهما من الشخصيات التي تؤكد أن حظوظها وافرة وتنافس بجد على المنصب، على غرار الوزير الأسبق محمد عبّو عن "التيار الديمقراطي"، ورئيس الحكومة الأسبق مهدي جمعة، إلى مرشحي اليسار بتفصيلاته المختلفة، منجي الرحوي وحمة الهمامي وعبيد البريكي.

الشاهد وحصيلة الحكم
يعتبر محللون أن حصيلة الحكومة التي قادها يوسف الشاهد ستكون عاملاً معرقلاً لآماله في الوصول إلى قصر قرطاج، إذ لم تحقق على الميدان وفي واقع التونسيين اليومي ما كانوا يأملونه من تحسن ولو جزئي في ظروفهم، غير أن الشاهد يرد على هذا الاتهام بأن "تجربتي في الحكم طيلة ثلاث سنوات جعلتني مقتنعاً بأن الإصلاح ممكن... وتمكنتُ من تحقيق الكثير من النجاحات على الرغم من الصعوبات ومن ثقل الميراث الذي خلّفته الترويكا".
ووجّه الشاهد اتهاماً صريحاً للطبقة السياسية خلال افتتاح حملته الانتخابية، واصفاً إياها بـ"المنافقة التي تسانده في العلن وتعرقل عمله في البرلمان"، ومن بينهم من جنّد صفحات إسرائيلية على مواقع التواصل الاجتماعي بكلفة 850 ألف يورو فقط لضربه، موضحاً أنه خاض معركة ضد التوريث كلفته الكثير، وأنه كان قادراً على القيام بتوافقات مع "هؤلاء" غير أنه رفض وواجه خلال فترة عمله في الحكومة "هذه العصابات والمافيا التي تحاول افتكاك السلطة وهدفهم الوحيد هو الحصول على الحصانة"، حسب تعبيره.

وقال الشاهد في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء التونسية، إن مشروعه لـ"تونس أقوى" هو مشروع براغماتي وواقعي مبني على دراية بالدولة، وهو ينقسم إلى 10 محاور أساسية و45 تعهداً، من بينها استقرار البلاد من خلال تعزيز الدفاع الإلكتروني لمقاومة الإرهاب وضمان كرامة التونسي وأمنه عبر تعزيز شرطة الجوار وكاميرات المراقبة للتصدي لعمليات النهب والتحرش وتعزيز دبلوماسية الحياد الإيجابي والدبلوماسية الاقتصادية كأولوية وغزو الأسواق الجديدة وتوحيد التونسيين حول مشروع وطني من خلال تحقيق مصالحة حقيقية خلافاً لما تم تحقيقه في تونس خلال السنوات الماضية والذي اعتبره "تصفية حسابات".

ولكن الشاهد يواجه مشكلة حقيقية بالنظر إلى وجود عدد من المرشحين الذين ينتمون إلى العائلة السياسية نفسها، من بينهم رئيس الحكومة الأسبق مهدي جمعة، وسلمى اللومي مديرة ديوان الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، ورئيس حزب "مشروع تونس" محسن مرزوق، والمحافظ السابق عمر منصور، ولطفي المرايحي عن حزب "الاتحاد الشعبي الجمهوري"، ووزير التعليم السابق ناجي جلّول، ورئيسة "الحزب الدستوري" عبير موسي التي ستسحب منه العديد من الأصوات الدستورية والتجمعية التي كان يعوّل عليها، ووزير الصحة الأسبق سعيد العايدي. أغلب هؤلاء من أبناء "نداء تونس" الذين غادروه، بالإضافة إلى أن حزبي "النداء" و"آفاق تونس" أعلنا صراحة دعمهما الزبيدي، وسيشهد الشاهد منافسة قوية بالخصوص من منافسيه نبيل القروي وعبد الكريم الزبيدي.

الزبيدي... رجل الظل
شكّل دخول وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي إلى معترك السباق الرئاسي في آخر اللحظات، مفاجأة أربكت عدداً من منافسيه، فقد كان معروفاً عن الرجل أنه رفض منصب رئيس الحكومة أكثر من مرة وتقدّم باستقالته من منصبه أيضاً، ولم يكن يتوقع أحد دخوله السباق وبقي متردداً في هذا الخصوص لفترة طويلة قبل أن يقرر أخيراً دخول الانتخابات لأول مرة في حياته.
وفسر الزبيدي هذا القرار، في حوار مع "العربي الجديد" يُنشر كاملاً في وقت لاحق، بأن الدافع الذي جعله يحسم أمره هو أن البلاد تمر بمرحلة حساسة من تاريخها وهو لم يعتد الهرب من أرض المعركة لأن في ذلك خيانة لتونس، وهو صراحة متخوّف من أن تسقط تونس بين أيدي المهربين والمافيا، على حد تعبيره. وأكد الزبيدي أنه دخل السباق مستقلاً وسيبقى كذلك وهو لم ينتم سابقاً إلى الأحزاب، ولكنه طبعاً سيتعامل مع كل الأحزاب، معتبراً أن تونس تحتاج في هذه المرحلة إلى مؤسسة رئاسية تكون على مسافة واحدة من الجميع وتجمع بين التونسيين وبإمكانها أن تشكل ملجأ للجميع من دون استثناء، خصوصاً وقت الأزمات.

وكان الزبيدي قد رأى في تصريحات صحافية سابقة أن الأفضل اليوم تعديل منظومة الحكم لأنها لا تستجيب لاحتياجات تونس، "ونحن في مسار انتقال ديمقراطي يفترض توفر مقومات النجاح لاستكماله، ومنظومة الحكم الراهنة لا تسمح بذلك، إذ إن منظومة الحكم في تونس هي استثناء، فهي نظام برلماني معدل ومعقّد، ففي الديمقراطيات هناك نظام حكم، برلماني أو رئاسي، تمنح فيهما الصلاحيات والسلطة لجهة محددة، برلمان وأحزاب أو رئيس، إن فشلت تتحمل مسؤوليتها". وتابع: "لكن في تونس لا نجد من نحاسب، فالنظام لا يسمح بذلك لأنه يوزع الصلاحيات بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والبرلمان. وقد لاحظنا كيف اشتغل نظامنا في السنوات السابقة بنظام من ثلاثة رؤوس تتقاسم السلطة، أي أن لنا أكثر من جهة مسؤولة ولا أحد يمكن تحميله المسؤولية، فالسلطة مشتتة. وهذا أدى إلى ضعف الدولة وإلى الانفلات والفوضى التي نعيشها".

المرزوقي... مراهنة ثانية بخطاب جديد
لم يكن المرزوقي بعيداً جداً عن منافسه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي في الانتخابات الماضية، ويعتقد أنه قادر على استعادة ذلك الرصيد الانتخابي الذي حققه في 2014، غير أن معطيات كثيرة تغيّرت اليوم في المشهد السياسي التونسي وفي حزب المرزوقي ذاته (حراك تونس الإرادة).
ولكن الملاحظ هو أن المرزوقي قرأ أهم هذه المتغيرات وجدّد في خطابه السياسي بشكل كبير، فاعتبر أن "الفاصل اليوم ليس الثورة والثورة المضادة، لأنه في الوقت الحاضر ليست هناك قوة قادرة على العودة لحل البرلمان وإرساء الديكتاتورية... الفاصل اليوم هي القضايا الاقتصادية والاجتماعية... هل أنت مع مطالب الشعب وقضاياه واحتياجاته التي هي احتياجات الأغلبية الساحقة، أم تخدم أجندة الأقليات المتنفذة الفاسدة التي لها التلفزيونات والأحزاب والمرشحين".

ورأى المرزوقي في تصريحات بمناسبة انطلاق حملته الانتخابية، أن الصراع حول الهوية انتهى، مستدلاً بأن "النهضة والنداء في الحكومة نفسها على الرغم من اختلافهما في قضايا الهوية". واعتبر أن أزمة تونس السياسية والاقتصادية والأخلاقية التي تتخبط فيها سببها "معاهدة باريس" (لقاء باريس بين راشد الغنوشي والسبسي عام 2013)، وأن الاتفاق بين الرجلين قام على أساس "تعهد النهضة بانتخاب رئيس الثورة المضادة، مقابل تعهد الطرف الآخر بتجنيب الحركة السيناريو المصري"، داعياً في المقابل إلى تعويضه بعهد تونس.
وأعرب المرزوقي عن تفاؤله بالفوز بالسباق لأن بعض من صوّت لصالح منافسه السبسي في الانتخابات الماضية استفاقوا، إضافة إلى مليون و700 ألف ناخب مسجل جديد، أغلبهم من الشباب، "سيُغلِّبون القوى التي ستناضل من أجل استعادة استقلال البلاد والدفاع عن الحريات ودفع البلاد في اتجاه مزيد من العدالة الانتقالية".

ويواجه المرزوقي مشكلة في تشتّت أصوات العائلة السياسية التي ينتمي إليها من خلال ترشح أحد رفاقه في حزبه القديم، محمد عبّو، وكذلك قيس سعيد، بالإضافة إلى انصراف الأصوات النهضوية إلى مرشحها، ولكنه يمكن أن يستعيد الكثير منها إذا وصل إلى الدور الثاني.

مورو... مفاجأة "النهضة" المدوية
راهنت أغلب الأحزاب والشخصيات المرشحة على أن تحظى بدعم حركة "النهضة"، ولكن الحركة أبقت التشويق السياسي حتى النهاية، وقررت في الأخير أن تقدّم عبد الفتاح مورو للسباق الرئاسي. ونزلت الحركة بكل ثقلها لدعم مرشحها، وخرج زعيمها راشد الغنوشي نفسه للمشاركة في عملية تعليق صور مورو، في إشارة إلى قواعدها بضرورة بذل كل الجهد لتوحيد الصف النهضوي من أجل إنجاح مرشحها. وقال الغنوشي إن مرشح الحركة للانتخابات، عبد الفتاح مورو، يُعدّ المرشح الأبرز بالنظر إلى حظوظه الوافرة في الفوز.

أما مورو فشدد على ضرورة إرساء المحكمة الدستورية، داعياً إلى الانفتاح على المغرب العربي والقطع مع "الحياد السلبي التونسي" في الملف الليبي، لأن تونس تربطها تركيبة اجتماعية وقبائل مشتركة مع ليبيا، مؤكداً في حوار إذاعي، ضرورة أن تهتم تونس بالمجال الأفريقي وأن تكون "مستشفى أفريقيا ومعملها وجامعتها". وتعهد مورو في حال انتخابه رئيساً للجمهورية بعدم تجديد ترشحه لولاية رئاسية ثانية، داعياً إلى تحديد سن 70 سنة كسن قصوى للترشح للانتخابات الرئاسية. وعن الاتهامات الموجّهة لحركته بخصوص ما يعرف بملف "الجهاز السري"، أكد مورو أن المسألة بيد القضاء، وأن دوره في حال انتخابه رئيساً هو تدعيم استقلالية القضاء بعيداً عن التأثيرات.
ويتساءل مراقبون عن قدرة مورو على تجاوز الدور الأول بحكم وجود مرشحين إسلاميين آخرين، على غرار حمادي الجبالي وحاتم بولبيار وكذلك قيس سعيد، وعما إذا كانت أصوات قواعد "النهضة" تكفي لفوز مرشحها، فيما تعمل الحركة على توسيع قاعدة الداعمين لمورو، خصوصاً أنه معروف بانفتاحه وقبوله لدى دوائر كثيرة من خارج الحركة.