الروس يمهدون الطريق إلى عمق إدلب على جثث المدنيين

19 ديسمبر 2019
الصورة
حركة نزوح كبيرة تشهدها المناطق المستهدفة (محمد سعيد/الأناضول)
+ الخط -

ترتسم ملامح أزمة إنسانية واسعة النطاق في الشمال الغربي من سورية، مع ازدياد وتيرة المجازر بحق النساء والأطفال التي يرتكبها الطيران الروسي ومقاتلات النظام، في تمهيد كما يبدو لتقدّم بري لقوات النظام في ريفي إدلب الجنوبي والشرقي، ما يعني انهيار التفاهمات التركية الروسية، ودفع المنطقة إلى أتون صراع في منطقة تضم ملايين المدنيين الذين يعيشون في ظروف مأساوية تكاد تصل إلى حدود الكارثة.

إلى ذلك، علمت "العربي الجديد" من مصادر مطلعة، مقربة من وفد المعارضة السورية المفاوض خلال الجولة الأخيرة من مباحثات أستانة، أن الحملة المكثفة التي تشنها روسيا وقوات النظام السوري على مدن وبلدات ريف إدلب الجنوبي، سببها اعتراض وفد المعارضة على مطالب روسية طرحت خلال الجولة الأخيرة من المفاوضات. وأشارت المصادر إلى أن الجانب الروسي عرض سيطرة قوات النظام على كامل منطقة سهل الغاب، انطلاقاً من قلعة المضيق وصولاً إلى ما قبل مدينة أريحا بكيلومترين، على أن تُفرغ مدينة أريحا من المقاتلين والسلاح واقتصار وجود المعارضة فيها على النشاط المدني، وذلك في مقابل إيقاف القصف على سراقب ومعرة النعمان وريفها ولا سيما الجنوبي منه، وحفظ الوضع فيهما على ما هو عليه، أي عدم التقدم إليهما بعمل عسكري واسع، كما يلوح النظام والروس أخيراً.

وواصلت، أمس الأربعاء، المقاتلات الحربية والمروحية التابعة للنظام والروس حملات القصف العشوائي على مدن وبلدات وقرى في محافظة إدلب. وقصفت مروحيات النظام بالبراميل المتفجرة مدينة معرة النعمان وقريتي التح والغدفة وجرجناز وتلمنس في ريف إدلب. وتركز القصف المدفعي والجوي أمس على معرة النعمان، كبرى مدن ريف إدلب الجنوبي، حيث قتل مدني وأصيب آخرون بغارات جوية استهدفت المدينة، التي تشهد حركة نزوح كبيرة، خشية تقدم قوات النظام نحوها، إذ من الواضح أنها الهدف الأول لهذه القوات في حال تحركت برياً. وحسب مصادر محلية، فإن المقاتلات الحربية الروسية والتابعة لقوات النظام والمروحيات وراجمات الصواريخ، استهدفت، صباح أمس الأربعاء، بعشرات الصواريخ الأحياء السكنية والأسواق الشعبية لمدينة معرة النعمان، ما أسفر عن مقتل مدني وإصابة خمسة آخرين بجروح متفاوتة. وأفاد المركز الإعلامي العام في معرة النعمان بأن الطائرات الحربية الروسية شنت غارات مكثفة بالصواريخ الفراغية على الأحياء السكنية في المدينة، مشيراً إلى أن الطيران الحربي يلقي كامل حمولته على معرة النعمان. وأكد أن حركة نزوح كبيرة تشهدها مناطق ريف إدلب الجنوبي والشرقي باتجاه الحدود السورية التركية نتيجة قصف طائرات بشار الأسد وروسيا المنطقة.

من جهته، ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن المروحيات التابعة للنظام ألقت أمس نحو 15 برميلاً متفجراً على أماكن في الرفة وقطرة والغدقة ومعرشورين ودير الغربي والتح ومعرة النعمان وأطرافها، فيما شنّت طائرات روسية أكثر من 11 غارة على مناطق في الحراكي والدير شرقي وأطراف معرة النعمان والهلبة وبابولين. وذكر المرصد أن طائرات النظام الحربية نفذت 12 غارة على تلمنس والغدقة وبابيلا وأطراف خان السبل وجرجناز، في حين استهدفت الفصائل بالقذائف الصاروخية مواقع لقوات النظام في المشيرفة وتل كلبة بريفي إدلب الشرقي والجنوبي الشرقي. ووفق ناشطين، فقد نفذت الطائرات الحربية، الثلاثاء الماضي، 111 طلعة جوية، موزعة على 55 طلعة للمروحيات التابعة لنظام الأسد، و24 طلعة جوية للطائرات الحربية التابعة لسلاح الجو الروسي، فيما سجلت 32 طلعة لطائرات النظام، نفذت من خلال هذه الطلعات أكثر من 400 غارة جوية، أي ما يعادل أربع غارات لكل طائرة. وقتلت هذه الغارات الثلاثاء 27 مدنياً، بينهم سبع نساء وستة أطفال، إذ ارتكبت طائرات النظام مجزرة في تلمنس وأخرى في معصران.

وتؤكد الوقائع الميدانية أن قوات النظام والمليشيات التي تساندها تخطط لبدء هجوم من محاور عدة، وهو ما يفسر القصف الجوي والمدفعي المكثف. ولا تزال هذه القوات تحاول إحداث خرق في محور الكبينة في جبل الأكراد بريف اللاذقية الشمالي، وشنّت الإثنين والثلاثاء 150 غارة جوية على هذا المحور المستعصي عليها. ووفق مصادر محلية، حاولت هذه القوات مجدداً التقدّم، لكنها خسرت العشرات من مسلحيها بين قتيل ومصاب. وتعد تلة الكبينة بوابة ريف إدلب الغربي، ومن دون السيطرة عليها لا يمكن لقوات النظام السيطرة على مدينة جسر الشغور الاستراتيجية في هذا الريف. ومنذ أواخر إبريل/نيسان الماضي، تسعى قوات النظام والمليشيات الموالية لها و"الفيلق الخامس" التابع لروسيا، إلى السيطرة على منطقة الكبينة لأهميتها، لكنها فشلت، وسط تكبدها خسائر فادحة في صفوف عناصرها، بالرغم من استخدامها مختلف صنوف الأسلحة، بما فيها الغازات السامة. ويستفيد مقاتلو الفصائل المدافعة عن تلة الكبينة من طبيعة المنطقة الجغرافية الوعرة والمرتفعة، في إفشال محاولات قوات النظام والمليشيات المساندة لها، والقوات الروسية، لانتزاع السيطرة على كامل ريف اللاذقية الشمالي.



وتبدي مصادر محلية في محافظة إدلب مخاوف من "سيناريو غروزني" المتوحش الذي استخدمه الروس في الشيشان أواخر تسعينيات القرن الماضي، مشيرة، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن مجازر الثلاثاء مؤشر على نيّة موسكو تمهيد الطريق لقوات النظام إلى عمق المحافظة بجثث المدنيين من نساء وأطفال وشيوخ. ومن الواضح أن موسكو وأنقرة وصلتا إلى طريق مسدود بما يخص الوضع في محافظة إدلب، ما يعني انهياراً غير معلن حتى اللحظة لاتفاق سوتشي الموقع بين الدولتين في سبتمبر/أيلول 2018. ويطالب الروس بفتح الطريقين الدوليين "إم 4"، الذي يربط مدينة حلب بالساحل السوري، و"إم 5" الذي يربط حلب بمدينة حماة وسط البلاد، وتسيير دوريات روسية-تركية مشتركة لتأمين الطريقين، وفق ما نص عليه اتفاق سوتشي. وتسيطر المعارضة السورية على أوتوستراد حلب-اللاذقية من منطقة الراشدين في ريف حلب الغربي، التي تعتبر منطقة اشتباك، مروراً بمدينتي سراقب وأريحا ثم ريف جسر الشغور في ريف إدلب، إلى ريف اللاذقية الشمالي عند منطقة الناجية. كما تسيطر فصائل المعارضة على جانب من طريق حلب - حماة المفضي إلى مدينة حمص وسط البلاد، وبعد ذلك إلى العاصمة دمشق، والذي يعدّ أهم الطرق التي تربط شمال البلاد بجنوبها.

في الأثناء، بدأت ترتسم معالم مأساة إنسانية متعددة الجوانب في شمال غربي سورية مع ارتفاع وتيرة القصف الجوي والمدفعي وتهديد قوات النظام باقتحام عمق محافظة إدلب. وقال فريق "منسقو الاستجابة"، الذي يضم ناشطين من مختلف المجالات في إدلب، إن عدد العائلات النازحة خلال الفترة بين الأول من نوفمبر/تشرين الثاني وحتى 17 ديسمبر/كانون الأول بلغ أكثر من 19898 عائلة (109408 أشخاص). ووثّق الفريق نزوح أكثر من 2137 عائلة (11714 نسمة) خلال اليومين الأخيرين، موضحاً أن معظمهم لا يزال حتى الآن على الطرقات الرئيسية وفي العراء. وناشد كافة الجهات والفعاليات المحلية العمل على تأمين مراكز إيواء وفتح المدارس وفتح المخيمات بشكل عاجل وفوري، لاستيعاب الكتلة البشرية الهائلة التي تستمر في النزوح باتجاه مناطق الشمال السوري. كما ناشد الفريق المنظمات والهيئات الإنسانية كافة العمل على التحرك العاجل لتوفير الاستجابة الإنسانية وزيادة فعالية العمليات الإنسانية في المنطقة. في غضون ذلك، ذكرت مصادر محلية أن الجانب التركي يخشى من موجة هجرة جديدة بسبب العمليات العسكرية، لذا زاد من إجراءات الحماية للحدود، لدرجة إقدام حرس الحدود على قتل من يحاول العبور من سورية. وقتل الثلاثاء 3 مدنيين بينهم امرأة برصاص حرس الحدود التركي بالقرب من خربة الجوز في ريف إدلب الغربي أثناء محاولتهم عبور الحدود بطريقة غير شرعية.

المساهمون