الرموز تسقط تباعا

15 مارس 2016
الصورة
عمل لإنجي أفلاطون(المتحف العربي للفن الحديث)
+ الخط -

البحث في مفهوم الجسد مثل السير على خط نار، على الأقل في فضاء الثقافة العربية الإسلامية، ربما لأن مبحث الجسد في هذا الفضاء واحد غير متعدد، ومحفوظ للتعاليم والوصايا.
كلما اقتربنا من مفهوم الجسد أوشكنا على معانقة الثنائيات التي تحفل بها هذه الثقافة وهي تتمثله، فالمقدس يقف جنبا إلى جنب مع المدنس وينفيه، يرميه إلى فضاء التحريم.

من الأبحاث التي حاولت استغوار الموضوع ما يورده صاحب كتاب "الصورة والآخر، رهانات الجسد واللغة والاختلاف" حيث يسلك مسلكا من أصعب المسالك، لأن موضوعة الجسد من تلك الموضوعات التي "تشعل النار" في صاحبها حتى قبل أن يرتد إليه طرفه.
ما يخفف من حدة افتكاك موضوع مثل هذا، هو كونه يصدر عن منظور أكاديمي صرف، فيه تفكير وبحث و"حياد" معرفي، يخرج موضوع الجسد والصورة من إطارهما المضطرب والساخن والمنفعل، الذي ظل يطبع فترات الثقافة العربية الإسلامية، حيث تحكم ذلك المنظور
في إنتاج تلك الثنائيات التي تدور في فلك "الحلال" و"الحرام" والشرعي والمنحول والدنيوي والأخروي.
الجسد من المنظور الديني "هبة إلهية"، والتصرف فيه يخضع لضوابط ومحددات، محركها "مقاومة اغترار النفس وشهواتها"، وعدم السقوط في فخ "الإغراء" الدنيوي" لأن الجسد من تراب وسيعود إليه، أي أنه هو نفسه، علامة تتحول إلى علامة أخرى، هي شاهدة القبر، ثم تنمحي تلك الشاهدة فيما بعد، ويذوب الجسد في عضويات قشرة الأرض، ليبقى خيال الشخص وليس جماله، وجوده الرمزي، إذا كان بمقدوره أن يصل إلى هذا المستوى، وليس رصيده او ممتلكاته من عقارات ودور وبنين.
يفتح الكتاب عين القارئ العربي المسلم وعقله على مثل هذه الإشكالات، وينبهه إلى فائدة أن يفكر في مثل هذه القضايا، في زمن نقول عنه أنه "عصر الصورة ومشتقاتها"، زمن تحول فيه الجسد من موضوع إلى مجرد حامل للصورة، وهو تحول جوهري وخطير، يفسر الحروب التي تتعرض لها الهويات المحلية أو الصغيرة، ومشاريع الاستحواذ التي تقع غربا وشرقا، وظهور وتفشي النزعات المتشددة عند أهل الديانات، ومنها الإسلام، وكيف يتمسك عدد من المسلمين، حتى وهم يعيشون في الغرب، ويتمتعون بـ "ديمقراطيته" وتقدمه العلمي والتكنولوجي، بإنتاج سياجات رمزية، مثل ما نراه اليوم في شوارع باريس أو لندن أو من صيغ تطرف تعبر عن نفسها في شكل اللباس الطالباني أو الأفغاني أو في التطرف الأعمى الذي يفجر ويقتل بدم بارد باسم "الجهاد".
نقرأ في الصفحة 93 من كتاب فريد الزاهي "فالجسد في عوالم الإسلام كيان مقدس وصورة لا تنتمي إلا لخالقها، ولا حق لأحد في صنع أشباح أو ظلال لها. والبورتريه، سواء كان فنيا كما مارسه الاستشراقيون، أو كان فوتوغرافيا، كما مارسته بشكل عسفي السلطات الكولونيالية، ضرب من التضعيف، الذي يمس هوية الجسد وهوية الشخص، من حيث إنها هوية تنبني على الحضور والغياب في آن واحد".
لقد عمد الفرنسيون إلى تصوير المغاربة والجزائريين أثناء فترة الاستعمار، ولم يدركوا أن هذا الفعل غير مقبول من طرف هؤلاء، لأنهم كانوا يعتبرون هذا الفعل شيطانيا وضربا من ضروب التملك السحري الذي يفصل بين الجسد/الصورة، وبين الروح.
هذا يدفعنا إلى طرح السؤال التالي: هل يجوز التصوير في الإسلام؟ وهو سؤال له زوايا مقاربة متعددة، فقهية ومعرفية، والفقهي منها شائك ومتضارب، ويحيل إلى متاهات أخرى، ربما استغرقت الكثير من الوقت ومن السجال.
وفي هذا المقام يورد الزاهي، نصا جميلا من "الرحلة التطوانية" لمحمد الصفار إلى فرنسا، والتي قام بها ما بين 1845 و 1846 يصف فيه حضوره لعرض أوبرالي في باريس، يقول الصفار "وقد رأيناهم مرة صوروا الجنة بقصور وأشجار ومنظر حسن، وصوروا ملائكة يطيرون في الهواء بأجنحة بيض".
لقد كان المسلم يصاب بالدهشة، دهشة من ممارسات فنية وتعبيرات مخالفة لمعتقده، إن تصوير الجنة أو جعل صور للأنبياء أو تصوير سفينة نوح، أو غيرها من الأحداث الكبرى، التي هي محط إجماع الديانات الثلاث، وعندما يتعلق الأمر بالثقافة العربية الإسلامية، يتحول إلى خط أحمر، لأنه يمس جوهر التمثل الديني.
لكن كل ذلك سيخف مع الوقت، لتعرف الثقافة العربية تسامحا غير مسبوق وانطلاقا نحو المستقبل، إلى أن يأتيها السواد الأعظم، فتخاف وتتوقع، في محيط كوني يغري بمغامرات بلا حدود.